[البقرة : 1] الم
الله أعلم بمراده بذلك
أخرج الفريابي وابن جرير عن مجاهد قال أربع آيات من أول البقرة نزلت في المؤمنين وآيتان في الكافرين وثلاث عشرة آية في المنافقين ك وأخرج ابن جرير من طريق ابن إسحق عن محمد بن أبي عكرمة عن سعيد ابن جبير عن ابن عباس في قوله أن الذين كفروا الآيتين أنهما نزلتا في يهود المدينة ك وأخرج عن الربيع بن أنس قال آيتان نزلتا في قتال الأحزاب إن الذين كفروا سواء عليهم إلى قوله ولهم عذاب عظيم
قال أبو جعفر : اختلفت تراجمة القرآن في تأويل قول الله تعالى ذكره: "الم"فقال بعضهم : هو اسم من أسماء القرآن. ذكر من قال ذلك:
حدثنا الحسن بن يحيى ، قال: أخبرنا عبد الرزاق ، قال، أخبرنا معمر ، عن قتادة في قوله: "الم"، قال: اسم من أسماء القرآن.
حدثني المثنى بن إبراهيم الآملي، قال: حدثنا أبو حذيفة موسى بن مسعود ، قال: حدثنا شبل، عن ابن أبي نجيح، عن مجاهد، قال: "الم"، اسم من أسماء القرآن.
حدثنا القاسم بن الحسن ، قال: حدثنا الحسين بن داود ، قال: حدثني حجاج ، عن ابن جريج ، قال:" الم "، اسم من أسماء القرآن.
وقال بعضهم: هو فواتح يفتح الله بها القرآن. ذكر من قال ذلك:
حدثني هرون بن إدريس الأصم الكوفي، قال: حدثنا عبد الرحمن بن محمد المحاربي، عن ابن جريج ، عن مجاهد ، قال:" الم " ، فواتح يفتح الله بها القرآن.
حدثنا أحمد بن حازم الغفاري، قال: حدثنا أبو نعيم، قال: حدثنا سفيان، عن مجاهد، قال:" الم "، فواتح .
حدثني المثنى بن إبراهيم قال: حدثنا إسحق بن الحجاج، عن يحيى بن آدم، عن سفيان، عن ابن نجيح، عن مجاهد، قال: " الم"، و " حم"، و "المص"، و" ص"، فواتح افتتح الله بها.
حدثنا القاسم بن الحسن، قال: حدثنا الحسين، قال: حدثني حجاج، عن ابن جريج ، عن مجاهد ، مثل حديث هرون بن إدريس.
وقال آخرون: هواسم للسورة. ذكر من قال ذلك:
حدثني يونس بن عبد الأعلى، قال: أنبأنا عبدالله بن وهب، قال سألت عبد الرحمن بن زيد بن أسلم عن قول الله:" الم * ذلك الكتاب"، و "الم * تنزيل"، و "المر تلك"، فقال: قال أبي: إنما هي أسماء السور.
وقال بعضهم: هواسم الله الأعظم. ذكر من قال ذلك:
حدثنا محمد بن المثنى، قال: حدثنا عبد الرحمن بن مهدي، قال: حدثنا شعبة ، قال: سألت السدي عن "حم" و " طسم" و" الم"، فقال: قال ابن عباس: هي اسم الله الأعظم.
حدثنا محمد بن المثنى، قال: حدثني أبو النعمان، قال: حدثنا شعبة، عن إسماعيل السدي، عن مرة الهمداني، قال: قال عبدالله: فذكر نحوه.
حدثني المثنى، قال: حدثنا إسحق بن الحجاج، عن عبيدالله بن موسى، عن إسماعيل، عن الشعبي، قال: فواتح السور من أسماء الله.
وقال بعضهم: هو قسم أقسم الله به، وهو من أسمائه. ذكر من قال ذلك:
حدثني يحيى بن عثمان بن صالح السهمي، قال: حدثنا عبدالله بن صالح، قال حدثني معاوية بن صالح، عن علي بن أبي طلحة، عن ابن عباس، قال: هو قسم أقسم الله به، وهو من أسماء الله.
حدثنا يعقوب بن إبراهيم، قال: حدثنا ابن علية، قال: حدثنا خالد الحذاء، عن عكرمة، قال: " الم"، قسم.
وقال بعضهم: هو حروف مقطعة من أسماء وأفعال، كل حرف من ذلك لمعنى غير معنى الحرف الآخر. ذكر من قال ذلك:
حدثنا أبو كريب قال حدثنا وكيع وحدثنا سفيان بن وكيع قال: حدثنا أبي عن شريك، عن عطاء بن السائب، عن أبي الضحى، عن ابن عباس: "الم" قال: أنا الله أعلم.
حدثت عن أبي عبيد، قال: حدثنا أبو اليقظان، عن عطاء بن السائب، عن سعيد بن جبير، قال: قوله: " الم"، قال: أنا الله أعلم.
حدثني موسى بن هرون الهمداني، قال: حدثنا عمرو بن حماد القناد، قال: حدثنا أسباط بن نصر، عن إسمعيل السدي في خبر ذكره، عن أبي مالك، وعن أبي صالح، عن ابن عباس وعن مرة الهمداني، عن ابن مسعود وعن ناس من أصحاب النبي صلى الله عليه وسلم: " الم"، قال: أما " الم" فهو حرف اشتق من حروف هجاء أسماء الله جل ثناؤه.
حدثنا محمد بن معمر، قال: حدثنا عباس بن زياد الباهلي، قال: حدثنا شعبة، عن أبي بشر، عن سعيد بن جبير، عن ابن عباس في قوله: " الم" و " حم" و "ن"، قال: اسم مقطع. وقال بعضهم هي حروف هجاء موضوع. ذكرمن قال ذلك:
حدثت عن منصور بن أبي نويرة، قال: حدثنا أبو سعيد المؤدب، عن خصيف، عن مجاهد، قال: فواتح السور كلها " ق" و " ص " و " حم" و " طسم " و " الر " وغير ذلك، هجاء موضوع. وقال بعضهم: هي حروف يشتمل كل حرف منها على معان شتى مختلفة. ذكر من قال ذلك:
حدثني المثنى بن إبراهيم الطبري، قال: حدثنا إسحق بن الحجاج، عن عبدالله بن أبي جعفر الرازي، قال: حدثني أبي، عن الربيع بن أنس، في قول الله تعالى ذكره: " الم "، قال: هذه الأحرف، من التسعة والعشرين حرفًا، دارت فيها الألسن كلها. ليس منها حرف إلا وهو مفتاح اسم من أسمائه. وليس منها حرف إلا وهو في آلائه وبلائه، وليس منها حرف إلا وهو في مدة قوم وآجالهم. وقال عيسى ابن مريم: وعجيب ينطقون في أسمائه، ويعيشون في رزقه، فكيف يكفرون؟. قال: الألف مفتاح اسمه: الله، واللام مفتاح اسمه: لطيف، والميم مفتاح اسمه:مجيد. الألف آلاء الله، واللام لطفه، والميم مجده. الألف سنة، واللام ثلاثون سنة، والميم أربعون سنة.
حدثنا ابن حميد، قال: حدثنا حكام، عن أبي جعفر، عن الربيع بنحوه.
وقال بعضهم: هي حروف من حساب الجمل كرهنا ذكر الذي حكي ذلك عنه، إذ كان الذي رواه ممن لا يعتمد على روايته ونقله. وقد مضت الرواية بنظير ذلك من القول عن الربيع بن أنس.
وقال بعضهم: لكل كتاب سر، وسر القرآن فواتحه.
وأما أهل العربية، فإنهم اختلفوا في معنى ذلك. فقال بعضهم: هي حروف من حروف المعجم، استغني بذكر ما ذكر منها في أوائل السور عن ذكر بواقيها، التي هي تتمة الثمانية والعشرين حرفًا كما استغنى المخبر عمن أخبر عنه أنه في حروف المعجم الثمانية والعشرين حرفًا بذكر (أ ب ت ث )، عن ذكر بواقي حروفها التي هي تتمة الثمانية والعشرين. قال: ولذلك رفع " ذلك الكتاب "، لأن معنى الكلام: الألف واللام والميم من الحروف المقطعة، ذلك الكتاب الذي أنزلته إليك مجموعًا لا ريب فيه.
فإن قال قائل: فإن (أ ب ت ث )، قد صارت كالاسم في حروف الهجاء، كما كان الحمد اسما لفاتحة الكتاب.
قيل له: لما كان جائزًا أن يقول القائل: ابني في ( ط ظ )، وكان معلومًا بقيله ذلك لو قاله أنه يريد الخبر عن ابنه أنه في الحروف المقطعة علم بذلك أن ( أ ب ت ث ) ليس لها باسم، وإن كان ذلك آثر في الذكر من سائرها.
قال: وإنما خولف بين ذكر حروف المعجم في فواتح السور، فذكرت في أوائلها مختلفة، وذكرها اذا ذكرت بأوائلها التي هي (أ ب ت ث) ، مؤتلفة، ليفصل بين الخبر عنها إذا أريد بذكر ما ذكر منها مختلفًا الدلالة على الكلام المتصل وإذا أريد بذكر ما ذكر منها مؤتلفًا الدلالة على الحروف المقطعة بأعيانها. واستشهدوا لإجازة قول القائل: ابني في ( ط ظ ) وما أشبه ذلك، من الخبر عنه أنه في حروف المعجم، وأن ذلك من قيله في البيان يقوم مقام قوله: ابني في (أ ب ت ث ) برجز بعض الرجاز من بني أسد:
لما رأيت أمرها في حطي وفنــكـت فــي كــذب ولــــط
أخذت منها بقرون شمـط فلم يزل صوبي بها ومعطي
حتى علا الرأس دم يغطي
فزعم أنه أراد بذلك الخبر عن المرأة أنها فى أبي جاد، فأقام قوله: لما رأيت أمرها في حطي مقام خبره عنها أنها في أبي جاد، إذ كان ذاك من قوله، يدل سامعه على ما يدله عليه قوله: لما رأيت أمرها في أبي جاد.
وقال اخرون: بل ابتدئت بذلك أوائل السور ليفتح لاستماعه أسماع المشركين إذ تواصوا بالإعراض عن القرآن حتى إذا استمعوا له، تلي عليهم المؤلف منه.
وقال بعضهم: الحروف التي هي فواتح السور حروف يستفتح الله بها كلامه.
فإن قيل: هل يكون من القرآن ما ليس له معنى؟
قيل: معنى هذا أنه افتتح بها ليعلم أن السورة التي قبلها قد انقضت، وأنه قد أخذ في أخرى، فجعل هذا علامة انقطاع ما بينهما. وذلك في كلام العرب، ينشد الرجل منهم الشعر فيقول:
بل، وبلدة ما الإنس من آهالها
ويقول:
لا بل، ما هاج أحزانًا وشجوًا قد شجا
وبل ليست من البيت ولا تعد في وزنه، ولكن يقطع بها كلامًا ويستأنف الآخر.
قال أبو جعفر: ولكل قول من الأقوال التي قالها الذين وصفنا قولهم في ذلك، وجه معروف.
فأما الذين قالوا: " الم"، اسم من أسماء القرآن، فلقولهم ذلك وجهان:
أحدهما: أن يكونوا أرادوا أن " الم " اسم للقرآن، كما الفرقان اسم له. وإذا كان معنى قائل ذلك كذلك، كان تأويل قوله " الم * ذلك الكتاب"، على معنى القسم. كأنه قال: والقرآن، هذا الكتاب لا ريب فيه.
والاخر منهما: أن يكونوا أرادوا أنه اسم من أسماء السورة التي تعرف به، كما تعرف سائر الأشياء بأسمائها التي هي لها أمارات تعرف بها، فيفهم السامع من القائل يقول: قرأت اليوم "المص" و " ن"، أي السور التي قرأها من سور القرآن، كما يفهم عنه إذا قال: لقيت اليوم عمرًا وزيدًا، وهما بزيد وعمرو عارفان من الذي لقي من الناس.
وإن أشكل معنى ذلك على امرىء فقال: وكيف يجوز أن يكون ذلك كذلك، ونظائر " الم " " الر" في القرآن جماعة من السور؟ وإنما تكون الأسماء أمارات إذا كانت مميزة بين الأشخاص، فأما إذا كانت غير مميزة فليست أمارات.
قيل: إن الأسماء وإن كانت قد صارت، لاشتراك كثير من الناس في الواحد منها، غير مميزة إلا بمعان أخر معها من ضم نسبة المسمى بها إليها أو نعته أو صفته، بما يفرق بينه وبين غيره من أشكالها فانها وضعت ابتداء للتمييز لا شك. ثم احتيج، عند الاشتراك، إلى المعاني المفرقة بين المسمين بها. فكذلك ذلك في أسماء السور، جعل كل اسم في قول قائل هذه المقالة أمارة للمسمى به من السور. فلما شارك المسمى به فيه غيره من سور القرآن، احتاج المخبر عن سورة منها أن يضم إلى اسمها المسمى به من ذلك، ما يفرق به السامع بين الخبر عنها وعن غيرها، من نعت وصفة أو غير ذلك. فيقول المخبر عن نفسه أنه تلا سورة البقرة، إذا سماها باسمها الذي هو " الم": قرأت الم البقرة. وفي آل عمران: قرأت الم آل عمران، و " الم * ذلك الكتاب "،
و" الم * الله لا إله إلا هو الحي القيوم ". كما لو أراد الخبر عن رجلين، اسم كل واحد منهما عمرو، غير أن أحدهما تميمي والآخر أزدي، للزمه أن يقول لمن أراد إخباره عنهما: لقيت عمرًا التميمي وعمرًا الأزدي، إذ كان لا يفرق بينهما وبين غيرهما ممن يشاركهما في أسمائهما، إلا نسبتهما كذلك. فكذلك ذلك في قول من تأول في الحروف المقطعة أنها أسماء للسور.
وأما الذين قالوا: ذلك فواتح يفتتح الله عز وجل بها كلامه، فإنهم وجهوا ذلك إلى نحو المعنى الذي حكينا عمن حكينا ذلك عنه من أهل العربية، أنه قال: ذلك أدلة على انقضاء سورة وابتداء في أخرى، وعلامة لانقطاع ما بينهما، كما جعلت بل في ابتداء قصيدة دلالة على ابتداء فيها، وانقضاء أخرى قبلها. كما ذكرنا عن العرب إذا أرادوا الابتداء في إنشاد قصيدة قالوا:
بل، ما هاج أحزانًا وشجوًا قد شجا
وبل ليست من البيت ولا داخلة في وزنه، ولكن ليدل به على قطع كلام وابتداء آخر.
وأما الذين قالوا: ذلك حروف مقطعة بعضها من أسماء الله عز وجل، وبعضها من صفاته، ولكل حرف من ذلك معنى غير معنى الحرف الآخر، فإنهم نحوا بتأويلهم ذلك نحو قول الشاعر:
قلنا لها: قفي لنا، قالت: قاف لا تحسبي أنا نسينا الإيجاف
يعني بقوله:قالت قاف، قالت: قد وقفت. فدلت بإظهار القاف من وقفت، على مرادها من تمام الكلمة التي هي وقفت . فصرفوا قوله " الم" وما أشبه ذلك، إلى نحو هذا المعنى. فقال بعضهم: الألف ألف أنا، واللام لام الله ، والميم ميم أعلم ، وكل حرف منها دال على كلمة تامة. قالوا: فجملة هذه الحروف المقطعة إذا ظهر مع كل حرف منهن تمام حروف الكلمة، أنا الله أعلم . قالوا: وكذلك سائر جميع ما في أوائل سور القرآن من ذلك، فعلى هذا المعنى وبهذا التأويل، قالوا: ومستفيض ظاهر في كلام العرب أن ينقص المتكلم منهم من الكلمة الأحرف، إذا كان فيما بقي دلالة على ما حذف منها ويزيد فيها ما ليس منها، إذا لم تكن الزيادة ملبسة معناها على سامعها كحذفهم في النقص في الترخيم من حارث الثاء، فيقولون: يا حار، ومن مالك الكاف، فيقولون: يا مال، وما أشبه ذلك، وكقول راجزهم:
ما للظليم عال؟ كيف لايا ينقد عنه جلده إذا يا
كأنه أراد أن يقول: إذا يفعل كذا وكذا، فاكتفى بالياء من يفعل، وكما قال آخر منهم:
بالخير خيرات وإن شرًا فا
يريد: فشرًا.
ولا أريـد الشــر إلا أن تـــا
يريد: إلا أن تشاء، فاكتفى بالتاء والفاء في الكلمتين جميعًا، من سائر حروفهما، وما أشبه ذلك من الشواهد التي يطول الكتاب باستيعابه.
وكما حدثني يعقوب بن إبراهيم، قال: حدثنا ابن علية، عن أيوب، وابن عون، عن محمد، قال: لما مات يزيد بن معاوية قال لي عبدة: إني لا أراها إلا كائنة فتنة، فافزع من ضيعتك والحق بأهلك. قلت: فما تأمرني؟ قال: أحب إلي لك أن تا قال أيوب وابن عون بيده تحت خده الأيمن، يصف الاضطجاع حتى ترى أمرًا تعرفه.
قال أبو جعفر: يعني بـ تا تضطجع، فاجتزأ بالتاء من تضطجع. وكما قال الآخر في الزيادة على الكلام، على النحو الذي وصفت:
أقول إذ خرت على الكلكال يا ناقتي ما جلت من مجال
يريد: الكلكل، وكما قال الآخر:
إن شكلي وإن شكلك شتى فالزمي الخص واخفضي تبيضضي
فزاد ضادًا، وليست في الكلمة.
قالوا: فكذلك ما نقص من تمام حروف كل كلمة من هذه الكلمات التي ذكرنا أنها تتمة حروف " الم " ونظائرها نظير ما نقص من الكلام الذي حكيناه عن العرب في أشعارها وكلامها.
وأما الذين قالوا: كل حرف من " الم " ونظائرها، دال على معان شتى نحو الذي ذكرنا عن الربيع بن أنس فإنهم وجهوا ذلك إلى مثل الذي له وجهه إليه من قال: هو بتأويل أنا الله أعلم، في أن كل حرف منه بعض حروف كلمة تامة، استغني بدلالته على تمامه عن ذكر تمامه وإن كانوا له مخالفين في كل حرف من ذلك: أهو من الكلمة التي ادعى أنه منها قائلو القول الأول، أم من غيرها؟ فقالوا: بل الألف من " الم " من كلمات شتى، هي دالة على معاني جميع ذلك وعلى تمامه. قالوا: وإنما أفرد كل حرف من ذلك، وقصر به عن تمام حروف الكلمة، أن جميع حروف الكلمة لو أظهرت، لم تدل الكلمة التي تظهر التي بعض هذه الحروف المقطعة بعض لها إلا على معنى واحد لا على معنيين وأكثر منهما. قالوا: وإذ كان لا دلالة في ذلك، لو أظهر جميعها، إلا على معناها الذي هو معنى واحد، وكان الله جل ثناؤه قد أراد الدلالة بكل حرف منها على معان كثيرة لشيء واحد لم يجز إلا أن يفرد الحرف الدال على تلك المعاني، ليعلم المخاطبون به أن الله عز وجل لم يقصد قصد معنى واحد ودلالة على شيء واحد بما خاطبهم به، وأنه إنما قصد الدلالة به على أشياء كثيرة. قالوا: فالألف من " الم " مقتضية معاني كثيرة، منها تمام اسم الرب الذي هو الله، وتمام اسم نعماء الله التي هي آلاء الله، والدلالة على أجل قوم أنه سنة، إذ كانت الألف في حساب الجمل واحدًا. واللام مقتضية تمام اسم الله الذي هو لطيف، وتمام اسم فضله الذي هو لطف، والدلالة على أجل قوم أنه ثلاثون سنة. والميم مقتضية تمام اسم الله الذي هو مجيد، وتمام اسم عظمته التي هي مجد، والدلالة على أجل قوم أنه أربعون سنة. فكان معنى الكلام في تأويل قائلي القول الأول أن الله جل ثناؤه افتتح كلامه بوصف نفسه بأنه العالم الذي لا يخفى عليه شيء، وجعل ذلك لعباده منهجًا يسلكونه في مفتتح خطبهم ورسائلهم ومهنم أمورهم، وابتلاء منه لهم به ليستوجبوا به عظيم الثواب في دار الجزاء، كما افتتح بـ "الحمد لله رب العالمين"، و "الحمد لله الذي خلق السماوات والأرض"، (الأنعام: 1)، وما أشبه ذلك من السور التي جعل مفاتحها الحمد لنفسه، وكما جعل مفاتح بعضها تعظيم نفسه وإجلالها بالتسبيح، كما قال جل ثناؤه: " سبحان الذي أسرى بعبده ليلا " (الإسراء: 1)، وما أشبه ذلك من سائر سور القرآن، التي جعل مفاتح بعضها تحميد نفسه، ومفاتح بعضها تمجيدها، ومفاتح بعضها تعظيمها وتنزيهها. فكذلك جعل مفاتح السور الاخر التي أوائلها بعض حروف المعجم، مدائح نفسه، أحيانًا بالعلم، وأحيانًا بالعدل والإنصاف، وأحيانًا بالإفضال والإحسان، بإيجاز واختصار، ثم اقتصاص الأمور بعد ذلك.
وعلى هذا التأويل يجب أن يكون الألف واللام والميم في أماكن الرفع، مرفوعًا بعضها ببعض، دون قوله " ذلك الكتاب "، ويكون " ذلك الكتاب " خبرًا مبتدأ منقطعًا عن معنى " الم ". وكذلك " ذلك " في تأويل قول قائل هذا القول الثاني، مرفوع بعضه ببعض، وإن كان مخالفًا معناه معنى قول قائلي القول الأول.
وأما الذين قالوا: هن حروف من حروف حساب الجمل دون ما خالف ذلك من المعاني، فإنهم قالوا: لا نعرف للحروف المقطعة معنى يفهم سوى حساب الجمل، وسوى تهجي قول القائل: " الم". قالوا: وغير جائز أن يخاطب الله جل ثناؤه عباده إلا بما يفهمون ويعقلون عنه. فلما كان ذلك كذلك وكان قوله "الم" لا يعقل لها وجه توجه إليه، إلا أحد الوجهين اللذين ذكرنا، فبطل أحد وجهيه، وهو أن يكون مرادًا بها تهجي "الم" صح وثبت أنه مراد به الوجه الثاني، وهو حساب الجمل، لأن قول القائل: "الم" لا يجوز أن يليه من الكلام "ذلك الكتاب "، لاستحالة معنى الكلام وخروجه عن المعقول، إن ولي " الم * ذلك الكتاب ".
واحتجوا لقولهم ذلك أيضًا بما:
حدثنا به محمد بن حميد الرازي، قال: حدثنا سلمة بن الفضل ، قال: حدثني محمد بن إسحق، قال: حدثني الكلبي، عن أبي صالح، عن ابن عباس، عن جابربن عبدالله بن رئاب، قال:" مر أبو ياسر بن أخطب برسول الله صلى الله عليه وسلم وهو يتلو فاتحة سورة البقرة "الم * ذلك الكتاب لا ريب فيه "، فأتى أخاه حيي بن أخطب من يهود فقال: تعلمون والله، لقد سمعت محمدًا يتلو فيما أنزل الله عز وجل عليه "الم * ذلك الكتاب" فقالوا: أنت سمعته؟ قال: نعم! قال: فمشى حيي بن أخطب في أولئك النفر من يهود إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم، فقالوا: يا محمد، ألم يذكر لنا أنك تتلو فيما أنزل عليك "الم * ذلك الكتاب"؟ فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم: بلى. فقالوا: أجاءك بهذا جبريل من عند الله؟ قال: نعم قالوا: لقد بعث الله جل ثناؤه قبلك أنبياء، ما نعلمه بين لنبي منهم، ما مده ملكه وما أكل أمته غيرك! فقال حيي بن أخطب، وأقبل على من كان معه فقال لهم: الألف، واحدة، واللام ثلاثون، والميم أربعون، فهذه إحدى وسبعون سنة. أفتدخلون في دين نبي إنما مدة ملكه وأكل أمته إحدى وسبعون سنة؟ قال: ثم أقبل على رسول الله صلى الله عليه وسلم، فقال: يا محمد، هل مع هذا غيره؟ قال: نعم قال: ماذا؟ قال: ( المص). قال: هذه أثقل وأطول، الألف واحدة، واللام ثلاثون، والميم أربعون، والصاد تسعون، فهذه مئة وإحدى وستون سنة. هل مع هذا يا محمد غيره، قال: نعم قال: ماذا؟ قال: (الر). قال: هذه والله أثقل وأطول. الألف واحدة، واللام ثلاثون، والراء مئتان، فهذه إحدى وثلاثون ومئتا سنة، فقال: هل مع هذا غيره يا محمد؟ قال: نعم، (المر) ، قال: فهذه والله أثقل وأطول، الألف واحدة، واللام ثلاثون، والميم أربعون، والراء مئتان، فهذه إحدى وسبعون ومئتا سنة. ثم قال: لقد لبس علينا أمرك يا محمد، حتى ما ندري أقليلاً أعطيت أم كثيرًا؟ ثم قاموا عنه. فقال أبو ياسر لأخيه حيي بن أخطب، ولمن معه من الأحبار: ما يدريكم لعله قد جمع هذا كله لمحمد، إحدى وسبعون، واحدى وستون ومئة، ومئتان وإحدى وثلاثون، ومئتان وإحدى وسبعون، فذلك سبعمئة سنة وأربع وثلاثون! فقالوا لقد تشابه علينا أمره! ويزعمون أن هؤلاء الآيات نزلت فيهم: "هو الذي أنزل عليك الكتاب منه آيات محكمات هن أم الكتاب وأخر متشابهات" " (آل عمران: 7).
قالوا: فقد صرح هذا الخبر بصحة ما قلنا في ذلك من التأويل، وفساد ما قاله مخالفونا فيه. والصواب من القول عندي في تأويل مفاتح السور، التي هي حروف المعجم: أن الله جل ثناؤه جعلها حروفاً مقطعة ولم يصل بعضها ببعض فيجعلها كسائر الكلام المتصل الحروف لأنه عز ذكره أراد بلفظه الدلالة بكل حرف منه على معان كثيرة، لا على معنى واحد، كما قال الربيع بن أنس. وإن كان الربيع قد اقتصر به على معان ثلاثة، دون ما زاد عليها.
والصواب في تأويل ذلك عندي: أن كل حرف منه يحوي ما قاله الربيع، وما قاله سائر المفسرين غيره فيه سوى ما ذكرت من القول عمن ذكرت عنه من أهل العربية: أنه كان يوجه تأويل ذلك إلى أنه حروف هجاء، استغني بذكر ما ذكر منه في مفاتيح السور، عن ذكر تتمة الثمانية والعشرين حرفاً من حروف المعجم، بتأويل: أن هذه الحروف، ذلك الكتاب، مجموعة، لا ريب فيه، فإنه قول خطأ فاسد، لخروجه عن أقوال جميع الصحابة والتابعين ومن بعدهم من الخالفين من أهل التفسير والتأويل. فكفى دلالة على خطئه، شهادة الحجة عليه بالخطأ، مع إبطال قائل ذلك قوله الذي حكينا عنه إذ صار إلى البيان عن رفع "ذلك الكتاب" بقوله مرة إنه مرفوع كل واحد منهما بصاحبه، ومرة أخرى إنه مرفوع بالراجع من ذكره في قوله "لا ريب فيه"، ومرة بقوله "هدى للمتقين ". وذلك ترك منه لقوله: إن "الم" رافعة "ذلك الكتاب"، وخروج من القول الذي ادعاه في تأويل " الم * ذلك الكتاب"، وأن تأويل ذلك: هذه الحروف ذلك الكتاب.
فإن قال لنا قائل: وكيف يجوز أن يكون حرف واحد شاملاً الدلالة على معان كثيرة مختلفة؟
قيل: كما جاز أن تكون كلمة واحدة تشتمل على معان كثيرة مختلفة، كقولهم للجماعة من الناس: أمة، وللحين من الزمان: أمة، وللرجل المتعبد المطيع لله: أمة، وللدين والملة: أنة. وكقولهم للجزاء والقصاص: دين، وللسلطان والطاعة: دين، وللتذلل: دين، وللحساب: دين، في أشباه لذلك كثيرة يطول الكتاب بإحصائها مما يكون من الكلام بلفظ واحد، وهو مشتمل جملى معان كثيرة. وكذلك قول الله جل ثناؤه: " الم" و "الر" و (المص) وما أشبه ذلك من حروف المعجم التي هي فواتح أوائل السور، كل حرف منها دال على معان شتى، شامل جميعها من أسماء الله عز وجل وصفاته ما قاله المفسرون من الأقوال التى ذكرنا عنهم. وهن، مع ذلك، فواتح السور، كما قاله من قال ذلك. وليس كون ذلك من حروف أسماء الله جل ثناؤه وصفاته، بمانعها أن تكون للسور فواتح. لأن الله جل ثناؤه قد افتتح كثيرًا من سور القرآن بالحمد لنفسه والثناء عليها، وكثيرًا منها بتمجيدها وتعظيمها، فغير مستحيل أن يبتدىء بعض ذلك بالقسم بها.
فالتي ابتدىء أوائلها بحروف المعجم، أحد معاني أوائلها: أنهن فواتح ما افتتح بهن من سور القرآن. وهن مما أقسم بهن، لأن أحد معانيهن أنهن من حروف أسماء الله تعالى ذكره وصفاته، على ما قدمنا البيان عنها، ولا شك في صحة معنى القسم بالله وأسمائه وصفاته. وهن من حروف حساب الجمل. وهن للسور التي افتتحت بهن شعار وأسماء. فذلك يحوي معاني جميع ما وصفنا، مما بينا، من وجوهه. لأن الله جل ثناؤه لو أراد بذلك، أو بشيء منه، الدلالة على معنى واحد مما يحتمله ذلك، دون سائر المعاني غيره، لأبان ذلك لهم رسول الله صلى الله عليه وسلم إبانة غير مشكلة. إذ كان جل ثناؤه إنما أنزل كتابه على رسوله صلى الله عليه وسلم ليبين لهم ما اختلفوا فيه. وفي تركه صلى الله عليه وسلم إبانة ذلك أنه مراد به من وجوه تأويله البعض دون البعض أوضح الدليل على أنه مراد به. جميع وجوهه التي هو لها محتمل. إذ لم يكن مستحيلاً في العقل وجه منها أن يكون من تأويله ومعناه، كما كان غير مستحيل اجتماع المعاني الكثيرة للكلمة الواحدة، باللفظ الواحد، في كلام واحد.
ومن أبى ما قلناه في ذلك، سئل الفرق بين ذلك، وبين سائر الحروف التي تأتي بلفظ واحد،مع اشتمالها على المعاني الكثيرة المختلفة، كالأمة والدين وما أشبه ذلك من الأسماء والأفعال. فلن يقول في واحد من ذلك قولاً إلا ألزم في الآخر مثله.
وكذلك يسأل كل من تأول شيئًا من ذلك على وجه دون الأوجه الأخر التي وصفنا عن البرهان على دعواه، من الوجه الذي يجب التسليم له. ثم يعارض بقول مخالفه في ذلك، ويسأل الفرق بينه وبينه: من أصل، أو مما يدل عليه أصل. فلن يقول قولاً إلا ألزم في الآخر مثله.
وأما الذي زعم من النحويين: أن ذلك نظير بل في قول المنشد شعرًا:
بل، ما هاج أحزانًا وشجوًا قد شجا
وأنه لا معنى له، وإنما هو زيادة في الكلام معناه الطرح فإنه أخطأ من وجوه شتى:
أحدها: أنه وصف الله تعالى ذكره بأنه خاطب العرب بغير ما هو من لغتها، وغير ما هو في لغة أحد من الآدميين. إذ كانت العرب وإن كانت قد كانت تفتتح أوائل إنشادها ما أنشدت من الشعر بـ بل فإنه معلوم منها أنها لم تكن تبتدىء شيئًا من كلامها بـ " الم " و " الر " و " المص "، بمعنى ابتدائها ذلك بـ بل. وإذ كان ذلك ليس من ابتدائها وكان الله جل ثناؤه إنما خاطبهم بما خاطبهم من القرآن، بما يعرفون من لغاتهم، ويستعملون بينهم من منطقهم، في جميع آيه فلا شك أن سبيل ما وصفنا من حروف المعجم، التي افتتحت بها أوائل السور، التي هن لها فواتح، سبيل سائر القرآن، في أنه لم يعدل بها عن لغاتهم التي كانوا بها عارفين، ولها بينهم في منطقهم مستعملين. لأن ذلك لو كان معدولاً به عن سبيل لغاتهم ومنطقهم، كان خارجًا عن معنى الإبانة التي وصف الله عز وجل بها القرآن، فقال تعالى ذكره: " نزل به الروح الأمين * على قلبك لتكون من المنذرين * بلسان عربي مبين" (الشعراء: 193- 195). وأنى يكون مبينًا ما لا يعقله ولا يفهمه أحد من العالمين، في قول قائل هذه المقالة، ولا يعرف في منطق أحد من المخلوقين، في قوله؟ وفي إخبار الله جل ثناؤه عنه أنه عربي مبين، ما يكذب هذه المقالة، وينبىء عنه أن العرب كانوا به عالمين، وهو لها مستبين. فذلك أحد أوجه خطئه.
والوجه الثاني من خطئه في ذلك: إضافته إلى الله جل ثناؤه أنه خاطب عباده بما لا فائدة لهم فيه ولا معنى له، من الكلام الذي سواء الخطاب فيه به وترك الخطاب به. وذلك إضافة العبث الذي هو منفي في قول جميع الموحدين عن الله إلى الله تعالى ذكره.
والوجه الثالث من خطئه: أن بل في كلام العرب مفهوم تأويلها ومعناها، وأنها تدخلها في كلامها رجوعًا عن كلام لها قد تقضى، كقولهم: ما جاءني أخوك بل أبوك، وما رأيت عمرًا بل عبدالله، وما أشبه ذلك من الكلام، كما قال أعشى بني ثعلبة:
ولأشربن ثمانيًا وثمانيًا وثلاث عشرة واثنتين واربعا
ومضى في كلمته حتى بلغ قوله:
بالجلسان، وطيب أردانه بالون يضرب لي يكرالإصبعا
ثم قال:
بل عد هذا، في قريض غيره واذكر فتى سمح الخليقة اروعا
فكأنه قال: دع هذا وخذ في قريض غيره فـ بل إنما يأتي في كلام العرب على هذا النحو من الكلام، فأما افتتاحًا لكلامها مبتدأ بمعنى التطول والحذف، من غير أن يدل على معنى، فذلك مما لا نعلم أحدًا ادعاه من أهل المعرفة بلسان العرب ومنطقها، سوى الذي ذكرت قوله، فيكون ذلك أصلاً يشبه به حروف المعجم التي هي فواتح سور القرآن التي افتتحت بها لو كانت له مشبهة فكيف وهي من الشبه به بعيد؟
قوله تعالى : "الم * ذلك الكتاب لا ريب فيه هدى للمتقين"اختلف أهل التأويل في الحروف التي في أوائل السور ، فقال عامر الشعبي و سفيان الثوري وجماعة من المحدثين : هي سر الله في القرآن ، ولله في كل كتاب من كتبه سر . فهي من المتشابه الذي انفرد الله تعالى بعلمه ، ولا يجب أن يتكلم فيها ، ولكن نؤمن بها ونقرأ كما جاءت . وروي هذا القول عن ابي بكر الصديق وعن علي بن أبي طالب رضي الله عنهما . وذكر أبو الليث السمرقندي عن عمر وعثمان وابن مسعود أنهم قالوا : الحروف المقطعة من المكتوم الذي لا يفسر . وقال أبو حاتم : لم نجد الحروف المقطعة في القرآن إلا في أوئل السور ، ولا ندري ما أراد الله جل وعز بها .
قلت : ومن هذا المعنى ما ذكره أبو بكر الأنباري : حدثنا الحسن بن الحباب حدثنا أبو بكر بن أبي طالب حدثنا أبو المنذر الواسطي عن مالك بن مغول عن سعيد بن مسروق عن الربيع بن خثيم قال : إن الله تعالى أنزل هذا القرآن فاستأثر منه بعلم ما شاء ، وأطلعكم على ما شاء ، فأما ما استأثر به لنفسه فلستم بنائليه فلا تسألوا عنه ، وأما الذي أطلعكم عليه فهو الذي تسألون عنه وتخبرون به ، وما بكل القرآن تعلمون ، ولا بكل ما تعلمون تعملون . قال ابو بكر : فهذا يوضح ان حروفاً من القرآن ستر معانيها عن جميع العالم ، اختباراً من الله عز وجل وامتحاناً ، فمن آمن بها أثيب وسعد ، ومن كفر وشك أثم وبعد . حدثنا أبو يوسف بن يعقوب القاضي حدثنا محمد بن ابي بكر حدثنا عبد الرحمن بن مهدي عن سفيان عن الأعمش عن عمارة عن حريث بن ظهير عن عبد الله قال : ما آمن مؤمن أفضل من إيمان بغيب ، ثم قرأ : "الذين يؤمنون بالغيب" .
قلت : هذا القول في المتشابه وحكمه ، وهو الصحيح على ما يأتي بيانه في ( آل عمران ) إن شاء الله تعالى . وقال جمع من العلماء كبير : بل يجب أن نتكلم فيها ، ونلتمس الفوائد التي تحتها ، والمعاني التي تتخرج عليها ، واختلفوا في ذلك على أقوال عديدة ، فروي عن ابن عباس وعلي ايضاً : أن الحروف المقطعة في القرآن اسم الله الأعظم ، إلا أنا لانعرف تأليفه منها . وقال قطرب والفراء وغيرهما : هي إشارة الى حروف الهجاء أعلم الله بها العرب حين تحداهم بالقرآن أنه مؤتلف من حروف هي التي منها بناء كلامهم ، ليكون عجزهم عنه أبلغ في الحجة عليهم إذ لم يخرج عن كلامهم . قال قطرب : كانوا ينفرون عند استماع القرآن ، فلما سمعوا : الم و المص استنكروا هذا اللفظ ، فلما أنصتوا له صلى الله عليه وسلم أقبل عليهم بالقرآن المؤتلف ليثبته في أسماعهم وآذانهم ويقيم الحجة عليهم . وقال قوم : روي ان المشركين لما أعرضوا عن سماع القرآن بمكة وقالوا : "لا تسمعوا لهذا القرآن والغوا فيه" نزلت ليستغربوها فيفتحون لها أسماعهم فيسمعون القرآن بعدها فتجب عليهم الحجة . وقال جماعة : هي حروف دالة على أسماء أخذت منها وحذفت بقيتها ، كقول ابن عباس وغيره : الألف من الله ، واللام من جبريل ، والميم من محمد صلى الله عليه وسلم . وقيل : الألف مفتاح اسمه الله ، واللام مفتاح اسمع لطيف ، والميم مفتاح اسمه مجيد . وروى أبو الضحى عن ابن عباس في قوله : "الم" قال : أنا الله أعلم ، الر أنا اله أرى ، المص أنا الله أفضل . فالألف تؤدي عن معنى أنا ، واللام تؤدي عن اسم الله ، والميم تؤدي عن معنى أعلم . واختار هذا القول الزجاج وقال : اذهب الى أن كل حرف منها يؤدي عن معنى ، وقد تكلمت العرب بالحروف المقطعة نظماً لها ووضعاً بدل الكلمات التي الحروف منها ، كقوله :
فقلت لها قفي فقالت قاف
أراد : قالت وقفت :وقال زهير :
بالخير خيرات وإن شرا فا ولا اريد الشر إلا أن تا
أراد : وإن شرا فشر . واراد : إلا أن تشاء .
وقال آخر :
نادوهم ألا الجموا ألاتا قالوا جميعاً كلهم ألافا
أراد : ألا تركبون ، قالوا : ألا فاركبوا . وفي الحديث :
"من أعان على قتل مسلم بشطر كلمة" قال شقيق : هو أن يقول في اقتل : اق ، كما قال عليه السلام :
"كفى بالسيف شا" معناه : شافياً .
وقال زيد بن أسلم : هي أسماء للسور . وقال الكلبي : هي أقسام أقسم الله تعالى بها لشرفها وفضلها ، وهي من أسمائه ، عن ابن عباس ايضاً . ورد بعض العلماء هذا القول فقال : لا يصح أن يكون قسماً لأن القسم معقود على حروف مثل : إن وقد ولقد وما ، ولم يوجد ها هنا حرف من هذه الحروف ، فلا يجوز أن يكون يميناً . والجواب أن يقال : موضع القسم قوله تعالى : "لا ريب فيه" فلو أن إنساناً حلف فقال : والله هذا الكتاب لا ريب فيه ، لكان الكلام سديداً ، وتكون لا جواب القسم . فثبت ان قول الكلبي وما روي عن ابن عباس سدي صحيح .
فإن قيل : ما الحكمة في القسم من الله تعالى ، وكان القوم في ذلك الزمان على صنفين : مصدق ، ومكذب ، فالمصدق يصدق بغير قسم ، والمكذب لا يصدق مع القسم ؟ . قيل له : القرآن نزل بلغة العرب ، والعرب إذا أرد بعضهم أن يؤكد كلامه اقسم على كلامه ، والله تعالى أراد أن يؤكد عليهم الحجة فأقسم أن القرآن من عنده . وقال بعضهم : الم أي أنزلت عليك هذا الكتاب من اللوح المحفوظ . وقال قتادة في قوله : الم قال اسم من أسماء القرآن . وروي عن محمد بن علي الترمذي انه قال : إن الله تعالى أودع جميع ما في تلك السورة من الأحكام والقصص في الحروف التي ذكرها في أول السورة من الأحكام والقصص في الحروف التي ذكرها في أول السورة ، ولا يعرف ذلك إلا نبي أو ولي ، ثم بين ذلك في جميع السورة ليفقه الناس . وقيل غير هذا من الأقوال ، فالله أعلم .
والوقف على هذه الحروف على السكون لنقصانها إلا إذا اخبرت عنها أو عطفتها فإنك تعربها . واختلف : هل لها محل من الإعراب ؟ فقيل : لا ، لأنها ليست أسماء متمكنة ، ولا أفعالا مضارعة ، وإنما هي بمنزلة حروف التهجي فهي محكية . هذا مذهب الخليل وسيبويه . ومن قال : إنها أسماء السور فموضعها عنده الرفع على أنها عند خبر ابتداء مضمرة ، أي هذه الم ، كما تقول : هذه سورة البقرة . أو تكون رفعاً على الابتداء والخبر ذلك ، كما تقول : زيد ذلك الرجل . وقال ابن كيسان النحوي : الم في موضع نصب ، كما تقول : اقرأ الم أو عليك الم . وقيل : في موضع خفض بالقسم ، لقول ابن عباس : إنها قسم الله بها .
قد اختلف المفسرون في الحروف المقطعة التي في أوائل السور فمنهم من قال هي مما استأثر الله بعلمه فردوا علمها إلى الله ولم يفسروها حكاه القرطبي في تفسيره عن أبي بكر وعمر وعثمان وعلي وابن مسعود رضي الله عنهم أجمعين ، وقاله عامر الشعبي وسفيان الثوري والربيع بن خيثم واختاره أبو حاتم بن حبان ومنهم من فسرها واختلف هؤلاء في معناها فقال عبد الرحمن بن زيد بن أسلم إنما هي أسماء السور . قال العلامة أبو القاسم محمود بن عمر الزمخشري في تفسيره وعليه إطباق الأكثر ونقل عن سيبويه أنه نص عليه ويعتضد لهذا بما ورد في الصحيحين عن أبي هريرة أن رسول الله صلى الله عليه وسلم كان يقرأ في صلاة الصبح يوم الجمعة "الم" السجدة و "هل أتى على الإنسان" ، وقال سفيان الثوري عن ابن أبي نجيح عن مجاهد أنه قال : الم ، وحم ، والمص ، وص . فواتح افتتح الله بها القرآن ، وكذا قال غيره عن مجاهد وقال مجاهد في رواية أبي حذيفة موسى بن مسعود عن شبل عن ابن أبي نجيح عنه أنه قال : الم اسم من أسماء القرآن وهكذا قال قتادة وزيد بن أسلم ولعل هذا يرجع إلى معنى قول عبد الرحمن بن زيد بن أسلم أنه اسم من أسماء السورة فإن كل سورة يطلق عليها اسم القرآن فإنه يبعد أن يكون المص اسماً للقرآن كله لأن المتبادر إلى فهم سامع من يقول : قرأت المص إنما ذلك عبارة عن سورة الأعراف لا لمجموع القرآن والله أعلم .
وقيل هي اسم من أسماء الله تعالى فقال الشعبي فواتح السور من أسماء الله تعالى وكذلك قال سالم بن عبد الله وإسماعيل بن عبد الرحمن السدي الكبير وقال شعبة عن السدي : بلغني أن ابن عباس قال : الم اسم من أسماء الله الأعظم . هكذا رواه ابن أبي حاتم من حديث شعبة ورواه ابن جرير عن بندار عن ابن مهدي عن شعبة قال : سألت السدي عن حم وطس والم فقال ابن عباس : هي اسم الله الأعظم وقال ابن جرير وحدثنا محمد بن المثنى حدثنا أبو النعمان حدثنا شعبة عن إسرائيل السدي عن مرة الهمداني قال : قال عبد الله فذكر نحوه . وحكى مثله عن علي وابن عباس وقال علي بن أبي طلحة عن ابن عباس هو قسم أقسم الله به وهو من أسماء الله تعالى وروى ابن أبي حاتم وابن جرير من حديث ابن علية عن خالد الحذاء عن عكرمة أنه قال الم قسم . ورويا أيضاً من حديث شريك بن عبد الله عن عطاء بن السائب عن أبي الضحى عن ابن عباس ، الم قال أنا الله أعلم ، وكذا قال سعيد بن جبير وقال السدي عن أبي مالك .
وعن أبي صالح عن ابن عباس وعن مرة الهمداني عن ابن مسعود وعن ناس من أصحاب النبي صلى الله عليه وسلم الم قال: أما الم فهي حروف استفتحت من حروف هجاء أسماء الله تعالى . وقال أبو جعفر الرازي عن الربيع بن أنس عن أبي العالية في قوله تعالى الم قال : هذه الأحرف الثلاثة من التسعة والعشرين حرفاً دارت فيها الألسن كلها ليس منها حرف إلا وهو مفتاح اسم من أسمائه ، وليس منها حرف إلا وهو من آلائه ، وبلائه : وليس منها حرف إلا وهو في مدة أقوام وآجالهم . قال عيسى ابن مريم عليه السلام وعجب : فقال أعجب أنهم ينطقون بأسمائه ويعيشون في رزقه فكيف يكفرون به ، فالألف مفتاح اسم الله واللام مفتاح اسمه لطيف والميم مفتاح اسمه مجيد فالألف آلاء الله واللام لطف الله والميم مجد الله ، الألف سنة واللام ثلاثون سنة والميم أربعون سنة .
هذا لفظ ابن أبي حاتم . ونحوه رواه ابن جرير ثم شرع يوجه كل واحد من هذه الأقوال ويوفق بينها وأنه لا منافاة بين كل واحد منها وبين الاخر وأن الجمع ممكن فهي أسماء للسور ومن أسماء الله تعالى يفتتح بها السور فكل حرف منها دل على اسم من أسمائه وصفة من صفاته كما افتتح سوراً كثيرة بتحميده وتسبيحه وتعظيمه ، قال ولا مانع من دلالة الحرف منها على اسم من أسماء الله وعلى صفة من صفاته وعلى مدة وغير ذلك كما ذكره الربيع بن أنس عن أبي العالية لأن الكلمة الواحدة تطلق على معاني كثيرة كلفظة الأمة فإنها تطلق ويراد به الدين كقوله تعالى "إنا وجدنا آباءنا على أمة" وتطلق ويراد بها الرجل المطيع لله كقوله تعالى "إن إبراهيم كان أمة قانتاً لله حنيفاً ولم يك من المشركين" وتطلق ويراد بها الجماعة كقوله تعالى "وجد عليه أمة من الناس يسقون" وقوله تعالى "ولقد بعثنا في كل أمة رسولاً" تطلق ويراد بها الحين من الدهر كقوله تعالى "وقال الذي نجا منهما وادكر بعد أمة" أي بعد حين على أصح القولين قال فكذلك هذا .
هذا حاصل كلامه موجهاً ولكن هذا ليس كما ذكره أبو العالية فإن أبا العالية زعم أن الحرف دل على هذا وعلى هذا معاً ولفظة الأمة وما أشبهها من الألفاظ المشتركة في الإصلاح إنما دل في القرآن في كل موطن على معنى واحد دل عليه سياق الكلام فأما حمله على مجموع محامله إذا أمكن فمسألة مختلف فيها بين علماء الأصول ليس هذا موضع البحث فيها والله أعلم. ثم إن لفظة الأمة تدل على كل من معانيها في سياق الكلام بدلالة الوضع فأما دلالة الحرف الواحد على اسم يمكن أن يدل على اسم آخر من غير أن يكون أحدهما أولى من الاخر في التقدير أو الإضمار بوضع ولا بغيره فهذا مما لا يفهم إلا بتوقيف ، والمسألة مختلف فيها وليس فيها إجماع حتى يحكم به وما أنشدوه من الشواهد على صحة إطلاق الحرف الواحد على بقية الكلمة فإن في السياق ما يدل على ما حذف بخلاف هذا كما قال الشاعر :
قلنا قفي لنا فقالت قاف لا تحسبي أنا نسينا الإيجاف
تعني وقفت وقال الاخر :
ما للظليم عال كيف لا يا ينقد عنه جلده إذا يا
فقال ابن جرير كأنه أراد أن يقول إذا يفعل كذا وكذا فاكتفى بالياء من يفعل وقال الاخر :
بالخير خيرات وإن شراً فا ولا أريد الشر إلا أن تا
يقول وإن شراً فشراً ولا أريد الشر إلا أن تشاء فاكتفى بالفاء والتاء من الكلمتين عن بقيتهما ولكن هذا ظاهر من سياق الكلام والله أعلم .
قال القرطبي وفي الحديث "من أعان على قتل مسلم بشطر كلمة" الحديث قال سفيان هو أن يقول في اقتل اق . وقال خصيف عن مجاهد أنه قال فواتح السور كلها (ق وص وحم وطسم والر) وغير ذلك هجاء موضوع وقال بعض أهل العربية : هي حروف من حروف المعجم استغني بذكر ما ذكر منها في أوائل السور عن ذكر بواقيها التي هي تتمة الثمانية والعشرين حرفاً كما يقول القائل : ابني يكتب في ـ ا ب ت ث ـ أي في حروف المعجم الثمانية والعشرين فيستغنى بذكر بعضها عن مجموعها حكاه ابن جرير .
قلت مجموع الحروف المذكورة في أوائل السور بحذف المكرر منها أربعة عشر حرفاً وهي ـ ا ل م ص ر ك هـ ي ع ط س ح ق ن ـ يجمعها قولك : نص حكيم قاطع له سر . وهي نصف الحروف عدداً والمذكور منها أشرف من المتروك وبيان ذلك من صناعة التصريف : قال الزمخشري وهذه الحروف الأربعة عشر مشتملة على أصناف أجناس الحروف يعني من المهموسة والمجهورة ، ومن الرخوة والشديدة ، ومن المطبقة والمفتوحة ومن المستعلية والمنخفضة ، ومن حروف القلقلة . وقد سردها مفصلة ثم قال : فسبحان الذي دقت في كل شيء حكمته . وهذه الأجناس المعدودة مكثورة بالمذكورة منها وقد علمت أن معظم الشيء وجله ينزل منزلة كله ومن ههنا لحظ بعضهم في هذا المقام كلاماً فقال : لا شك أن هذه الحروف لم ينزلها سبحانه وتعالى عبثاً ولا سدى ، ومن قال من الجهلة إن في القرآن ما هو تعبد لا معنى له بالكلية فقد أخطأ خطأ كبيراً ، فتعين أن لها معنى في نفس الأمر فإن صح لنا فيها عن المعصوم شيء قلنا به وإلا وقفنا حيث وقفنا وقلنا "آمنا به كل من عند ربنا" ولم يجمع العلماء فيها على شيء معين وإنما اختلفوا فمن ظهر له بعض الأقوال بدليل فعليه اتباعه وإلا فالوقف حتى يتبين هذا المقام .
المقام الاخر في الحكمة التي اقتضت إيراد هذه الحروف في أوائل السور ما هي مع قطع النظر عن معانيها في أنفسها ، فقال بعضهم إنما ذكرت ليعرف بها أوائل السور حكاه ابن جرير وهذا ضعيف لأن الفصل حاصل بدونها فيما لم تذكر فيه وفيما ذكرت فيه البسملة تلاوة وكتابة وقال آخرون بل ابتدئ بها لتفتح لاستماعها أسماع المشركين إذ تواصوا بالإعراض عن القرآن حتى إذا استمعوا له تلا عليهم المؤلف منه حكاه ابن جرير أيضاً وهو ضعيف لأنه لو كان كذلك لكان ذلك في جميع السور لا يكون في بعضها بل غالبها وليس كذلك أيضاً لانبغى الابتداء بها في أوائل الكلام معهم سواء كان افتتاح سورة أو غير ذلك ثم إن هذه السورة والتي تليها أعني البقرة وآل عمران مدنيتان ليستا خطاباً للمشركين فانتقض ما ذكروه بهذه الوجوه. وقال آخرون بل إنما ذكرت هذه الحروف في أوائل السور التي ذكره فيها بياناً لإعجاز القرآن وأن الخلق عاجزون عن معارضته بمثله هذا مع أنه مركب من هذه الحروف المقطعة التي يتخاطبون بها ، وقد حكى هذا المذهب الرازي في تفسيره عن المبرد وجمع من المحققين ، وحكى القرطبي عن الفراء وقطرب نحو هذا ، وقرره الزمخشري في كشافه ونصره أتم نصر ، وإليه ذهب الشيخ الإمام العلامة أبو العباس بن تيمية وشيخنا الحافظ المجتهد أبو العجاج المزي وحكاه لي عن ابن تيمية .
قال الزمخشري ولم ترد كلها مجموعة في أول القرآن وإنما كررت ليكون أبلغ في التحدي والتبكيت كما كررت قصص كثيرة وكرر التحدي بالصريح في أماكن قال وجاء منها على حرف واحد كقوله ـ ص ن ق ـ وحرفين مثل "حم" وثلاثة مثل "الم" وأربعة مثل "المر" و "المص" وخمسة مثل " كهيعص " " حم * عسق " لأن أساليب كلامهم على هذا من الكلمات ما هو على حرف وعلى حرفين وعلى ثلاثة وعلى أربعة وعلى خمسة لا أكثر من ذلك (قلت) ولهذا كل سورة افتتحت بالحروف فلا بد أن يذكر فيها الانتصار للقرآن وبيان إعجازه وعظمته وهذا معلوم بالاستقراء وهو الواقع في تسع وعشرين سورة ولهذا يقول تعالى "الم * ذلك الكتاب لا ريب فيه" " الم * الله لا إله إلا هو الحي القيوم * نزل عليك الكتاب بالحق مصدقا لما بين يديه " "المص * كتاب أنزل إليك فلا يكن في صدرك حرج منه" " الر كتاب أنزلناه إليك لتخرج الناس من الظلمات إلى النور بإذن ربهم " "الم * تنزيل الكتاب لا ريب فيه من رب العالمين" "حم * تنزيل من الرحمن الرحيم" "حم * عسق * كذلك يوحي إليك وإلى الذين من قبلك الله العزيز الحكيم" وغير ذلك من الايات الدالة على صحة ما ذهب إليه هؤلاء لمن أمعن النظر والله أعلم .
وأما من زعم أنها دالة على معرفة المدد وأنه يستخرج من ذلك أوقات الحوادث والفتن والملاحم فقد ادعى ما ليس له ، وطار في غير مطاره ، وقد ورد في ذلك حديث ضعيف وهو مع ذلك أدل على بطلان هذا المسلك من التمسك به على صحته وهو ما رواه محمد بن إسحاق بن يسار صاحب المغازي حدثني الكلبي عن أبي صالح عن ابن عباس عن جابر بن عبد الله بن رئاب قال مر أبو ياسر بن أخطب في رجال في يهود برسول الله وهو يتلو فاتحة سورة البقرة "الم * ذلك الكتاب لا ريب فيه" فأتى أخاه حي بن أخطب في رجال من اليهود فقال تعلمون والله لقد سمعت محمداً يتلو فيما أنزل الله تعالى عليه "الم * ذلك الكتاب لا ريب فيه" فقال أنت سمعته قال نعم قال فمشى حيي بن أخطب في أولئك النفر من اليهود إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم فقالوا يا محمد ألم يذكر أنك تتلو فيما أنزل الله عليك "الم * ذلك الكتاب" ؟ فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم بلى فقالوا جاءك بهذا جبريل من عند الله ؟ فقال "نعم" قالوا لقد بعث الله قبلك أنبياء ما نعلمه بين لنبي منهم ما مدة ملكه وما أجل أمته غيرك . فقام حيي بن أخطب وأقبل على من كان معه فقال لهم الألف واحدة واللام ثلاثون والميم أربعون فهذه إحدى وسبعون سنة أفتدخلون في دين نبي إنما مدة ملكه وأجل أمته إحدى وسبعون سنة ؟ ثم أقبل على رسول الله صلى الله عليه وسلم فقال: يا محمد هل مع هذا غيره فقال نعم ، قال ما ذاك ؟ قال المص قال هذا أثقل وأطول ، الألف واحد واللام ثلاثون والميم أربعون والصاد سبعون فهذه إحدى وثلاثون ومائة سنة . هل مع هذا يا محمد غيره ؟ قال : نعم ، قال ما ذاك ؟ قال الر . قال هذا أثقل وأطول الألف واحدة واللام ثلاثون والراء مائتان فهذه إحدى وثلاثون ومائتان سنة . فهل مع هذا يا محمد غيره ؟ قال نعم قال ماذا قال المر قال هذه أثقل وأطول الألف واحدة واللام ثلاثون والميم أربعون والراء مائتان فهذه إحدى وسبعون ومائتان ثم قال : لقد لبس علينا أمرك يا محمد حتى ما ندري أقليلاً أعطيت أم كثيراً . ثم قال قوموا عنه ، ثم قال أبو ياسر لأخيه حي بن أخطب ولمن معه من الأحبار ما يدريكم لعله قد جمع هذا لمحمد كله إحدى وسبعون وإحدى وثلاثون ومائة وإحدى وثلاثون ومائتان وإحدى وسبعون ومائتان فذلك سبعمائة وأربع سنين ؟ فقالوا لقد تشابه علينا أمره فيزعمون أن هؤلاء الايات نزلت فيهم " هو الذي أنزل عليك الكتاب منه آيات محكمات هن أم الكتاب وأخر متشابهات " فهذا الحديث مداره على محمد بن السائب الكلبي وهو ممن لا يحتج بما انفرد به ثم كان مقتضى هذا المسلك إن كان صحيحاً أن يحسب ما لكل حرف من الحروف الأربعة عشر التي ذكرناها وذلك يبلغ منه جملة كثيرة وإن حسبت مع التكرر فأطم وأعظم والله أعلم .
قال القرطبي في تفسير سورة البقرة: مدنية نزلت في مدد شتى. وقيل هي أول سورة نزلت بالمدينة إلا قوله تعالى: "واتقوا يوماً ترجعون فيه إلى الله" فإنها آخر آية نزلت من السماء، ونزلت يوم النحر في حجة الوداع بمنى، وآيات الربا أيضاً من أواخر ما نزل من القرآن انتهى. وأخرج أبو الضريس في فضائله وأبو جعفر النحاس في الناسخ والمنسوخ وابن مردويه والبيهقي في دلائل النبوة من طرق عن ابن عباس قال: نزلت بالمدينة سورة البقرة. وأخرج ابن مردويه عن عبد الله بن الزبير مثله. وأخرج أبو داود في الناسخ والمنسوخ عن عكرمة قال: أول سورة أنزلت بالمدينة سورة البقرة.
وقد ورد في فضلها أحاديث منها ما أخرجه مسلم والترمذي وأحمد والبخاري في تاريخه ومحمد بن نصر عن النواس بن سمعان قال: سمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول: "يؤتى بالقرآن وأهله الذين كانوا يعملون به في الدنيا تقدمهم سورة البقرة وآل عمران" قال: وضرب لهما رسول الله صلى الله عليه وسلم ثلاثة أمثال ما نسيتهن بعد قال: "كأنهما غمامتان أو كأنهما غيابتان أو كأنهما ظلتان سوداوان أو كأنهما فرقان من طير صواف تحاجان عن صاحبهما". وأخرج ابن أبي شيبة وأحمد والدارمي ومحمد بن نصر والحاكم وصححه عن بريدة قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم "تعلموا سورة البقرة فإن أخذها بركة وتركها حسرة ولا يستطيعها البطلة، ثم سكت ساعة ثم قال: تعلموا سورة البقرة وآل عمران فإنهما الزهراوان تظلان صاحبهما يوم القيامة كأنهما غمامتان أو غيابتان أو فرقان من طير صواف". قال ابن كثير وإسناده حسن على شرط مسلم. وأخرج نحوه أبو عبيد وأحمد وحميد بن زنجويه ومسلم والطبراني والحاكم والبيهقي من حديث أبي أمامة مرفوعاً. وأخرج نحوه أيضاً الطبراني وأبو ذر الهروي بسند ضعيف عن ابن عباس مرفوعاً. وأخرج نحوه أيضاً البزار في سننه بسند صحيح عن أبي هريرة مرفوعاً. وأخرج مسلم والترمذي وأحمد عن أبي هريرة أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: "لا تجعلوا بيوتكم مقابر، إن الشيطان ينفر من البيت الذي يقرأ فيه سورة البقرة". وأخرج أبو عبيد عن أنس نحوه مرفوعاً. وأخرج ابن عدي في الكامل وابن عساكر في تاريخه عن أبي الدرداء مرفوعاً نحوه. وأخرج الطبراني بسند ضعيف عن عبد الله بن مغفل مرفوعاً نحوه. وأخرج النسائي والطبراني والبيهقي عن ابن مسعود مرفوعاً نحوه. وسنده ضعيف. وأخرجه الدارمي والبيهقي والحاكم وصححه من حديثه بنحوه. وأخرج أبو يعلى وابن حبان والطبراني والبيهقي عن سهل بن سعد الساعدي قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم "إن لكل شيء سناماً، وسنام القرآن سورة البقرة، من قرأها في بيته نهاراً لم يدخله الشيطان ثلاثة أيام، ومن قرأها في بيته ليلاً لم يدخله الشيطان ثلاث ليال". وأخرج أحمد ومحمد بن نصر والطبراني بسند صحيح عن معقل بن يسار أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: "البقرة سنام القرآن وذروته، نزل مع كل آية منها ثمانون ملكاً واستخرجت "الله لا إله إلا هو الحي القيوم" من تحت العرش فوصلت بها". وأخرج البغوي في معجم الصحابة وابن عساكر في تاريخه عن ربيعة الجرسي قال "سئل رسول الله صلى الله عليه وسلم أي القرآن أفضل؟ قال: السورة التي يذكر فيها البقرة، قيل فأي البقرة أفضل؟ قال: آية الكرسي وخواتيم سورة البقرة نزلت من تحت العرش". وأخرج أبو عبيد وأحمد والبخاري في صحيحه تعليقاً ومسلم والنسائي عن أسيد بن حضير قال "بينما هو يقرأ من الليل سورة البقرة وفرسه مربوطة عنده إذ جالت الفرس فسكت فسكنت، ثم قرأ فجالت الفرس فسكت فسكنت، ثم قرأ فجالت الفرس فسكت فسكنت فانصرف إلى ابنه يحيى وكان قريباً منها فأشفق أن تصيبه، فلما أخذه رفع رأسه إلى السماء فإذا هو بمثل الظلة فيها أمثال المصابيح عرجت إلى السماء حتى ما يراها، فلما أصبح حدث رسول الله صلى الله عليه وسلم بذلك، فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم: أتدري ما ذاك؟ قال لا يا رسول الله، قال: تلك الملائكة دنت لصوتك، ولو قرأت لأصبحت تنظر إليها الناس لا تتوارى منهم" ولهذا الحديث ألفاظ. وأخرج الترمذي وحسنه النسائي وابن ماجه وابن حبان والحاكم وصححه عن أبي هريرة قال "بعث رسول الله صلى الله عليه وسلم بعثاً فاستقرأ كل رجل منهم" يعني ما معه من القرآن "فأتى على رجل من أحدثهم سناً فقال: ما معك يا فلان؟ قال: معي كذا وكذا وسورة البقرة، قال: أمعك سورة البقرة؟ قال: نعم، قال: اذهب فأنت أميرهم". وأخرج البيهقي في الدلائل عن عثمان بن أبي العاص، قال: استملني رسول الله صلى الله عليه وسلم وأنا أصغر القوم الذين وفدوا عليه من ثقيف، وذلك أني كنت قرأت سورة البقرة. وأخرج البيهقي في الشعب بسند صحيح عن الصلصال بن الديهمس أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: "اقرأوا سورة البقرة في بيوتكم ولا تجعلوها قبوراً" قال: "ومن قرأ سورة البقرة في ليلة توج بتاج في الجنة". وأخرج أبو عبيد عن عباد بن عباد عن جرير بن حازم عن عمه جرير بن يزيد أن أشياخ أهل المدينة حدثوا عن رسول الله صلى الله عليه وسلم قيل له: ألم تر إلى ثابت بن قيس بن شماس لم تزل داره البارحة تزهر مصابيح، قال: فلعله قرا سورة البقرة، قال: فسئل ثابت فقال: قرأت سورة البقرة. قال ابن كثير وهذا إسناد جيد، إلا أن فيه إبهاماً ثم هو مرسل.
وقد روى أئمة الحديث في فضائلها أحاديث كثيرة وآثاراً عن الصحابة واسعة، ومن فضائلها ما هو خاص بآية الكرسي، وما هو خاص بخواتم هذه السورة، وقد سبق بعض ذلك، وما هو في فضلها وفضل آل عمران، وقد سبق أيضاً بعض من ذلك وما هو في فضل السبع الطوال، كما أخرج أبو عبيد عن واثلة بن الأسقع عن النبي صلى الله عليه وسلم قال: "أعطيت السبع مكان التوراة، وأعطيت المئين مكان الإنجيل، وأعطيت المثاني مكان الزبور، وفضلت بالمفصل" وفي إسناده سعيد بن بشير وفيه لين، وقد رواه بسند آخر عن سعيد بن أبي هلال. وأخرج أيضاً عن عائشة عن النبي صلى الله عليه وسلم قال: "من أخذ السبع فهو خير" وقد رواه عنها أحمد في المسند باللفظ أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: "من أخذ السبع الأول من القرآن فهو خير". وأخرج أبو عبيد عن سعيد بن جبير في قوله تعالى: "ولقد آتيناك سبعاً من المثاني" قال: هي السبع الطوال البقرة وآل عمران والنساء والمائدة والأنعام والأعراف ويونس، وبذلك قال مجاهد ومكحول وعطية بن قيس وأبو محمد القاري شداد بن عبد الله ويحيى بن الحارث الذماري.
وقد ورد ما يدل على كراهة أن يقول القائل سورة البقرة ولا سورة آل عمران ولا سورة النساء وكذا القرآن كله. فأخرج ابن الضريس والطبراني في الأوسط وابن مردويه والبيهقي في الشعب بسند ضعيف عن أنس قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: "لا تقولوا سورة البقرة ولا سورة آل عمران ولا سورة النساء وكذا القرآن كله، ولكن قولوا السورة التي تذكر فيها البقرة، والسورة التي يذكر فيها آل عمران، وكذا القرآن كله" قال ابن كثير: هذا حديث غريب لا يصح رفعه، وفي إسناده يحيى بن ميمون الخواص وهو ضعيف الرواية لا يحتج به. وأخرج البيهقي في الشعب بسند صحيح عن ابن عمر قال: "لا تقولوا سورة البقرة، ولكن قولوا السورة التي تذكر فيها البقرة". وقد روي عن جماعة من الصحابة خلاف هذا. فثبت في الصحيحين عن ابن مسعود أنه رمى الجمرة من بطن الوادي، فجعل البيت عن يساره ومنى عن يمينه ثم قال: هذا مقام الذي أنزلت عليه سورة البقرة. وأخرج ابن أبي شيبة وأحمد ومسلم وأهل السنن والحاكم وصححه عن حذيفة قال: "صليت مع رسول الله صلى الله عليه وسلم ليلة من رمضان فافتتح البقرة، فقلت: يصلي بها في ركعة، ثم افتتح النساء فقرأها، ثم افتتح آل عمران فقرأها مترسلاً" الحديث: وأخرج أحمد وابن الضريس والبيهقي عن عائشة قالت: "كنت أقوم مع رسول الله صلى الله عليه وسلم في الليل فيقرأ بالبقرة وآل عمران والنساء". وأخرج أبو داود والترمذي في الشمائل والنسائي والبيهقي عن عوف بن مالك الأشجعي قال: "قمت مع رسول الله صلى الله عليه وسلم ليلة، فقام فقرأ سورة البقرة لا يمر بآية رحمة إلا وقف" الحديث.
1- "الم" قال القرطبي في تفسيره: اختلف أهل التأويل في الحروف التي في أوائل السور فقال الشعبي وسفيان الثوري وجماعة من المحدثين: هي سر الله في القرآن، ولله في كل كتاب من كتبه سر، فهي من المتشابه الذي انفرد الله بعلمه ولا نحب أن نتكلم فيها ولكن نؤمن بها، وتمد كما جاءت. وروي هذا القول عن أبي بكر الصديق وعلي بن أبي طالب. قال: وذكر أبو الليث السمرقندي عن عمر وعثمان وابن مسعود أنهم قالوا: الحروف المقطعة من المكتوم الذي لا يفسر. وقال أبو حاتم: لم نجد الحروف في القرآن إلا في أوائل السور، ولا ندري ما أراد الله عز وجل. قال: وقال جمع من العلماء كثير: بل نحب أن نتكلم فيها ونلتمس الفوائد التي تحتها والمعاني التي تتخرج عليها. واختلفوا في ذلك على أقوال عديدة، فروي عن ابن عباس وعلي أيضاً أن الحروف المقطعة في القرآن اسم الله الأعظم إلا أنا لا نعرف تأليفه منها. وقال قطرب والفراء وغيرهما: هي إشارة إلى حروف الهجاء أعلم الله بها العرب حين تحداهم بالقرآن أنه مؤتلف من حروف هي التي بناء كلامهم عليها ليكون عجزهم عنه أبلغ في الحجة عليهم إذ لم يخرج عن كلامهم. قال قطرب: كان ينفرون عند استماع القرآن، فلما نزل آلم آلمص استنكروا هذا اللفظ، فلما أنصتوا له صلى الله عليه وسلم أقبل عليهم بالقرآن المؤتلف ليثبته في أسماعهم وآذانهم ويقيم الحجة عليهم. وقال قوم: روي أن المشركين لما أعرضوا عن القرآن بمكة " وقال الذين كفروا لا تسمعوا لهذا القرآن والغوا فيه " فأنزلها استغربوها فيفتحون أسماعهم فيسمعون القرآن بعدها فتجب عليهم الحجة. وقال جماعة: هي حروف دالة على أسماء أخذت منها وحذفت بقيتها، كقول ابن عباس وغيره الألف من الله واللام من جبريل والميم من محمد. وذهب إلى هذا الزجاج فقال: أذهب إلى أن كل حرف منها يؤدي عن معنى. وقد تكلمت العرب بالحروف المقطعة كقوله: فقلت لها قفي، فقالت قاف: أي وقفت. وفي الحديث "من أعان على قتل مسلم بشطر كلمة" قال شقيق: هو أن يقولأ في اقتل اق كما قال صلى الله عليه وسلم: "كفى بالسيف شا" أي شافياً، وفي نسخة شاهداً. وقال زيد بن أسلم: هي أسماء للسور. وقال الكلبي: هي أقسام أقسم الله بها لشرفها وفضلها وهي من أسمائه.
ومن أدق ما أبرزه المتكلمون في معاني هذه الحروف ما ذكره الزمخشري في الكشاف فإنه قال: واعلم أنك إذا تأملت ما أورده الله عز سلطانه في الفواتح من هذه الأسماء وجدتها نصف أسامي حروف المعجم أربعة عشر سواء: وهي الألف واللام والميم والصاد والراء والكاف والهاء والياء والعين والطاء والسين والحاء والقاف والنون في تسع وعشرين سورة على عدد حروف المعجم، ثم إذا نظرت في هذه الأربعة عشر وجدتها مشتملة على أنصاف أجناس الحروف. بيان ذلك أن فيها من المهموسة نصفها الصاد والكاف والهاء والسين والحاء، ومن المجهورة نصفها الألف واللام والميم والراء والعين والطاء والقاف والياء والنون، ومن الشديدة نصفها الألف والكاف والطاء والنون، ومن الرخوة نصفها اللام والميم والراء والصاد والهاء والعين والسين والحاء والياء والنون، ومن المطبقة نصفها الصاد والطاء، ومن المنفتحة نصفها الألف واللام والميم والراء والكاف والهاء والعين والسين والحاء والقاف والياء والنون، ومن المستعلية نصفها القاف والصاد والطاء، ومن المنخفضة نصفها الألف واللام والميم والراء والكاف والهاء والتاء والعين والسين والحاء والنون، ومن حروف القلقلة نصفها القاف والطاء. ثم إذا استقريت الكلم وتراكيبها رأيت الحروف التي ألغى الله ذكرها من هذه الأجناس المعدودة مكنوزة بالمذكورة منها، فسبحان الذي دقت في كل شيء حكمته، وقد علمت أن معظم الشيء وجله ينزل منزلة كله، وهو المطابق للطائف التنزيل واختصاراته، فكأن الله عز اسمه عدد على العرب الألفاظ التي منها تراكيب كلامهم إشارة إلى ما ذكرت من التبكيت لهم وإلزم الحجة إياهم، وما يدل على أنه تعمد بالذكر من حروف المعجم أكثرها وقوعاً في تراكيب الكلم، أن الألف واللام لما تكاثر وقوعهما فيها جاءتا في معظم هذه الفواتح مكررتين، وهي فواتح سورة البقرة وآل عمران والروم والعنكبوت ولقمان والسجدة والأعراف والرعد ويونس وإبراهيم وهود ويوسف والحجر انتهى. وأقول: هذا التدقيق لا يأتي بفائدة يعتد بها، وبيانه أنه إذا كان المراد منه إلزام الحجة والتبكيت كما قال: فهذا متيسر بأن يقال لهم: هذا القرآن هو من الحروف التي تتكلمون بها ليس هو من حروف مغايرة لها، فيكون هذا تبكيتاً وإلزاماً يفهمه كل مامع منهم من دون إلغاز وتعمية وتفريق لهذه الحروف في فواتح تسع وعشرين سورة، فإن هذا مع ما فيه من التطويل الذي لا يستوفيه سامعه إلا بسماع جميع هذه الفواتح، هو أيضاً مما لا يفهمه أحد من السامعين ولا يتعقل شيئاً منه فضلاً عن أن يكون تبكيتاً له وإلزاماً للحجة أياً كان، فإن ذلك هو أمر وراء الفهم. مترتب عليه ولم يفهم السامع هذا، ولا ذكر أهل العلم عن فرد من أفراد الجاهلية الذين وقع التحديث لهم بالقرآن أنه بلغ فهمه إلى بعض هذا فضلاً عن كله. ثم كون هذه الحروف مشتملة على النصف من جميع الحروف التي تركبت لغة العرب منها، وذلك النصف مشتمل على أنصاف تلك الأنواع من الحروف المتصفة بتلك الأوصاف هو أمر لا يتعلق به فائدة لجاهلي ولا إسلامي ولا مقر ولا منكر ولا مسلم ولا معارض، ولا يصح أن يكون مقصداً من مقاصد الرب سبحانه، الذي أنزل كتابه للإرشاد إلى شرائعه والهداية به. وهب أن هذه صناعة عجيبة ونكتة غريبة، فليس ذلك مما يتصف بفصاحة ولا بلاغة حتى يكون مفيداً أنه كلام بليغ أو فصيح، وذلك لأن هذه الحروف الواقعة في الفواتح ليست من جنس كلام العرب حتى يتصف بهذين الوصفين، وغاية ما هناك أنها من جنس حروف كلامهم ولا مدخل لذلك فيما ذكر. وأيضاً لو فرض أنها كلمات متركبة بتقدير شيء قبلها أو بعدها لم يصح وصفها بذلك، لأنها تعمية غير مفهومة للسامع إلا بأن يأتي من يريد بيانها بمثل ما يأتي به من أراد بيان الألغاز والتعمية، وليس ذلك من الفصاحة والبلاغة في ورد ولا صدر بل من عكسهما وضد رسمهما -وإذا عرفت هذا فاعلم أن من تكلم في بيان معاني هذه الحروف جازماً بأن ذلك هو ما أراده الله عز وجل، فقد غلط أقبح الغلط وركب في فهمه ودعواه أعظم الشطط، فإنه إن كان تفسيره لها بما فسرها به راجعاً إلى لغة العرب وعلومها فهو كذب بحت، فإن العرب لم يتكلموا بشيء من ذلك، وإذا سمعه السامع منهم كان معدوداً عنده من الرطانة، ولا ينافي ذلك أنهم قد يقتصرون على أحرف أو حروف من الكلمة التي يريدون النطق بها، فإنهم لم يفعلوا ذلك إلا بعد أن تقدمه ما يدل عليه ويفيد معناه، بحيث لا يلتبس على سامعه كمثل ما تقدم ذكره. ومن هذا القبيل ما يقع منهم من الترخيم، وأين هذه الفواتح الواقعة في أوائل السور من هذا؟ وإذا تقرر لك أنه لا يمكن استفادة ما ادعوه من لغة العرب وعلومها لم يبق حينئذ إلا أحد أمرين: الأول التفسير بمحض الرأي الذي ورد النهي عنه والوعيد عليه، وأهل العلم أحق الناس بتجنبه والصد عنه والتنكب عن طريقه، وهم أتقى لله سبحانه من أن يجعلوا كتاب الله سبحانه ملعبة لهم يتلاعبون به ويضعون حماقات أنظارهم وخزعبلات أفكارهم عليه. الثاني التفسير بتوقيف عن صاحب الشرع، وهذا هو المهيع الواضح والسبيل القويم، بل الجادة التي ما سواها مردوم والطريقة العامرة التي ما عداها معدوم، فمن وجد شيئاً من هذا فغير ملزم أن يقول بملء فيه ويتكلم بما وصل إليه علمه، ومن لم يبلغه شيء من ذلك فليقل لا أدري، أو الله أعلم بمراده، فقد ثبت النهي عن طلب فهم المتشابه ومحاولة الوقوف على علمه مع كونه ألفاظاً عربية وتراكيب مفهومة، وقد جعل الله تتبع ذلك صنيع الذين في قلوبهم زيغ، فكيف بما نحن بصدده؟ فإنه ينبغي أن يقال فيه إنه متشابه المتشابه على فرض أن للفهم إليه سبيلاً، ولكلام العرب فيه مدخلاً، فكيف وهو خارج عن ذلك على كل تقدير. وانظر كيف فهم اليهود عند سماع آلم فإنهم لما لم يجدوها على نمط لغة العرب فهموا أن الحروف المذكورة رمز إلى ما يصطلحون عليه من العدد الذي يجعلونه لها، كما أخرج ابن إسحاق والبخاري في تاريخه وابن جرير بسند ضعيف عن ابن عباس عن جابر بن عبد الله قال: مر أبو ياسر بن أخطب في رجال من يهود برسول الله صلى الله عليه وسلم وهو يتلو فاتحة سورة البقرة " الم * ذلك الكتاب لا ريب " فأتى أخاه حيي بن أخطب في رجال من اليهود فقال: تعلمون والله لقد سمعت محمداً يتلو فيما أنزل عليه آلم ذلك الكتاب، فقال: أنت سمعته؟ فقال: نعم، فمشى حيي في أولئك النفر إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم فقالوا: يا محمد ألم تذكر أنك تتلو فيما أنزل عليك " الم * ذلك الكتاب " قال: بلى، قالوا: أجاءك بهذا جبريل من عند الله؟ قال: نعم. قالوا: لقد بعث الله قبلك الأنبياء ما نعلمه بين لنبي منهم ما مدة ملكه وما أجل أمته غيرك، فقال حيي بن أخطب: وأقبل على من كان معه الألف واحد واللام ثلاثون والميم أربعون، فهذه إحدى وسبعون سنة، أفتدخلون في دين نبي إنما مدة ملكه وأجل أمته إحدى وسبعون سنة؟ ثم أقبل على رسول الله صلى الله عليه وسلم فقال: يا محمد هل مع هذا غيره؟ قال: نعم، قال: وما ذاك؟ قال: آلمص، قال: هذه أثقل وأطول الألف واحدة واللام ثلاثون والميم أربعون والصاد تسعون، فهذه إحدى وستون ومائة سنة، هل مع هذا يا محمد غيره؟ قال: نعم، قال: وما ذاك؟ قال: -الر- قال: هذه أثقل وأطول الألف واحدة واللام ثلاثون والراء مائتان، هذه إحدى وثلاثون سنة ومائتان، فهل مع هذا غيره؟ قال: نعم، -المر- قال: فهذه أثقل وأطول الألف واحدة واللام ثلاثون والميم أربعون والراء مائتان، فهذه إحدى وسبعون سنة ومائتان، ثم قال: لقد لبس علينا أمرك يا محمد حتى ما ندري قليلاً أعطيت أم كثيراً ثم قاموا، فقال أبو ياسر لأخيه حيي ومن معه من الأحبار: ما يدريكم لعله قد جمع هذا لمحمد كله إحدى وسبعون وإحدى وستون ومائة وإحدى وثلاثون ومائتان وإحدى وسبعون ومائتان، فذلك سبعمائة وأربع وثلاثون سنة، فقالوا: لقد تشابه علينا أمره، فيزعمون أن هذه الآيات نزلت فيهم -"هو الذي أنزل عليك الكتاب منه آيات محكمات هن أم الكتاب وأخر متشابهات"- فانظر ما بلغت إليه أفهامهم من هذا الأمر المختص بهم من عدد الحروف مع كونه ليس من لغة العرب في شيء، وتأمل أي موضع أحق بالبيان من رسول الله صلى الله عليه وسلم من هذا الموضع، فإن هؤلاء الملاعين قد جعلوا ما فهموه عند سماع " الم * ذلك الكتاب " من ذلك العدد موجباً للتثبيط عن الإجابة له والدخول في شريعته، فلو كان لذلك معنى يعقل ومدلول يفهم، لدفع رسول الله صلى الله عليه وسلم ما ظنوه بادئ بدء حتى لا يتأثر عنه ما جاءوا به من التشكيك على من معهم.
فإن قلت: هل ثبت عن رسول الله في هذه الفواتح شيء يصلح للتمسك به؟ قلت: لا أعلم أن رسول الله صلى الله عليه وسلم تكلم في شيء من معانيها، بل غاية ما ثبت عنه هو مجرد عدد حروفها، فأخرج البخاري في تاريخه والترمذي وصححه والحاكم وصححه عن ابن مسعود قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: "من قرأ حرفاً من كتاب الله فله به حسنة، والحسنة بعشر أمثالها، لا أقول آلم حرف، ولكن ألف حرف ولام حرف وميم حرف" وله طرق عن ابن مسعود. وأخرج ابن أبي شيبة والبزار بسند ضعيف عن عوف بن مالك والأشجعي نحوه مرفوعاً. فإن قلت: هل روي عن الصحابة شيء من ذلك بإسناد متصل بقائله أم ليس إلا ما تقدم من حكاية القرطبي عن ابن عباس وعلي؟ قلت: قد روى ابن جرير والبيهقي في كتاب الأسماء والصفات عن ابن مسعود أنه قال: "الم" حرف اشتقت من حروف اسم الله. وأخرج ابن جرير وابن أبي حاتم وابن مردويه عن ابن عباس في قوله: "الم" و "حم" و "ن" قال: اسم مقطع. وأخرج ابن جرير وابن المنذر وابن أبي حاتم وابن مردويه والبيهقي في كتاب الأسماء عن ابن عباس أيضاً في قوله، "الم"، و"المص"، و"المر"، و"كهيعص"، و"طه"، و"طسم"، و"طس" و"يس"، و"ص"، "وحم"، و"ق"، و"ن"، قال: هو قسم أقسمه الله وهو من أسماء الله. وأخرج ابن جرير عن ابن مسعود في قوله آلم قال: هي اسم الله الأعظم. وأخرج عبد بن حميد عن الربيع بن أنس في قوله: "الم" قال: ألف مفتاح اسمه الله ولام مفتاح اسمه لطيف وميم مفتاح اسمه مجيد. وقد روي نحو هذا التفاسير عن جماعة من التابعين فيهم عكرمة والشعبي والسدي وقتادة ومجاهد والحسن. فإن قلت: هل يجوز الاقتداء بأحد من الصحابة؟ قال في تفسير شيء من هذه الفواتح قولاً صح إسناده إليه. قلت: لا لما قدمنا، إلا أن يعلم أنه قال ذلك عن علم أخذه عن رسول الله صلى الله عليه وسلم. فإن قلت: هذا مما لا مجال للاجتهاد فيه ولا مدخل للغة العرب فلم لا يكون له حكم الرفع؟ قلت: تنزيل هذا منزلة المرفوع، وإن قال به طائفة من أهل الأصول وغيرهم، فليس مما ينشرح له صدور المنصفين، ولا سيما إذا كان في مثل هذا المقام وهو التفسير لكلام الله سبحانه، فإنه دخول في أعظم الخطر بما لا برهان عليه صحيح إلا مجرد قولهم إنه يبعد من الصحابي كل البعد أن يقول بمحض رأيه فيما لا مجال فيه للاجتهاد، وليس مجرد هذا الاستبعاد مسوغاً للوقوع في خطر الوعيد الشديد. على أنه يمكن أن يذهب بعض الصحابة إلى تفسير بعض المتشابه كما تجده كثيراً في تفاسيرهم المنقولة عنهم ويجعل هذه الفواتح من جملة المتشابه، ثم ها هنا مانع آخر، وهو أن المروى عن الصحابة في هذا مختلف متناقض، فإن عملنا بما قاله أحدهم دون الآخر كان تحكماً لا وجه له، وإن عملنا بالجميع كان عملاً بما هو مختلف متناقض ولا يجوز. ثم ها هنا مانع غير هذا المانع، وهو أنه لو كان شيء لما قالوه مأخوذاً عن النبي صلى الله عليه وسلم لاتفقوا عليه ولم يختلفوا كسائر ما هو مأخوذ عنه، فلما اختلفوا في هذا علمنا أنه لم يكن مأخوذاً عن النبي صلى الله عليه وسلم، ثم لو كان عندهم شيء عن النبي صلى الله عليه وسلم في هذا لما تركوا حكايته عنه ورفعه إليه، لا سيما عند اختلافهم واضطراب أقوالهم في مثل هذا الكلام الذي لا مجال للغة العرب فيه ولا مدخل لها. والذي اراه لنفسي ولكل من أحب السلامة واقتدى بسلف الأمة أن لا يتكلم بشيء من ذلك، مع الاعتراف بأن في إنزالها حكمة لله عز وجل ولا تبلغها عقولنا ولا تهتدي إليها أفهامنا، وإذا انتهيت إلى السلامة في مداك فلا تجاوزه، وسيأتي لنا عند تفسير قوله تعالى: "منه آيات محكمات هن أم الكتاب وأخر متشابهات" كلام طويل الذيول، وتحقيق تقبله صحيحات الأفهام وسليمات العقول.
1. " بسم الله الرحمن الرحيم * الم " قال الشعبي وجماعة: آلم وسائر حروف الهجاء في أوائل السور من المتشابه الذي استأثر الله تعالى بعلمه وهي سر القرآن. فنحن نؤمن بظاهرها ونكل العلم فيها إلى الله تعالى. وفائدة ذكرها طلب الإيمان بها. قال أبو بكر الصديق: في كل كتاب سر وسر الله تعالى في القرآن أوائل السور، وقال علي: لكل كتاب صفوة وصفوة هذا الكتاب حروف ( التهجي ) وقال داود بن أبي هند: كنت أسأل الشعبي عن فواتح السور فقال: يا داود إن لكل كتاب سراً وإن سر القرآن فواتح السور فدعها وسل عما سوى ذلك. وقال جماعة هي معلومة المعاني فقيل: كل حرف منها مفتاح اسم من أسمائه كما قال ابن عباس في كهيعص: الكاف من كافي والهاء من هادي والياء من حكيم والعين من عليم والصاد من صادق. وقيل في المص أنا الله الملك الصادق، وقال الربيع بن أنس في آلم: الألف مفتاح اسمه الله واللام مفتاح اسمه اللطيف، والميم مفتاح اسمه المجيد.
وقال محمد بن كعب : الألف آلاء الله واللام لطفه، والميم ملكه، وروى سعيد بن جبير عن ابن عباس أنه قال معنى آلم: أنا الله أعلم: ومعنى آلمص: أنا الله أعلم وأفضل ومعنى آلر: أنا الله أرى، ومعنى آلمر: أنا الله أعلم وأرى. قال الزجاج: وهذا حسن فإن العرب تذكر حرفاً من كلمة يريدها كقولهم: قلت لها: قفى لنا قالت: قاف.
أي: وقفت، وعن سعيد بن جبير قال هي أسماء الله تعالى (مقطعة) لو علم الناس تأليفها لعلموا اسم الله الأعظم.ألا ترى أنك تقول آلر، وحم، ون، فتكون الرحمن، وكذلك سائرها إلا أنا لا نقدر على وصلها، وقال قتادة : هذه الحروف أسماء القرآن. وقال مجاهد و ابن زيد : هي أسماء (السور)، وبيانه: أن القائل إذا قال: قرأت آلمص عرف السامع أنه قرأ السورة التي افتتحت بالمص. وروي عن ابن عباس رضي الله عنهما أنها أقسام، وقال الأخفش : إنما أقسم الله بهذه الحروف لشرفها وفضلها لأنها( مبادئ ) كتبه المنزلة، ومباني أسمائه الحسنى.



1- " الم " وسائر الألفاظ التي يتهجى بها ، أسماء مسمياتها الحروف التي ركبت منها الكلم لدخولها في حد الاسم ، واعتوار ما يخص به من التعريف والتنكير والجمع والتصغير ونحو ذلك عليهما ، وبه صرح الخليل و أبو علي . وما روى ابن مسعود رضي الله عنه أنه عليه الصلاة والسلام قال : " من قرأ حرفاً من كتاب الله فله حسنة والحسنة بعشر أمثالها لا أقول آلم حرف بل ألف حرف ولام حرف وميم حرف " فالمراد به غير المعنى الذي اصطلح عليه ، فإن تخصيصه به عرف مجدداً بل المعنى اللغوي ، ولعله سماه باسم مدلوله . ولما كانت مسمياتها حروفاً وحداناً وهي مركبة ، صدرت بها لتكون تأديتها بالمسمى أول ما يقرع السمع ، واستعيرت الهمزة مكان الإلف لتعذر الابتداء بها وهي ما لم تلها العوامل موقوفة خالية عن الإعراب لفقد موجبه ومقتضيه ، ولكنها قابلة إياه ومعرضة له إذ ا لم تناسب مبنى الأصل ولذلك قيل :"ص" و"ق" مجموعا فيهما بين الساكنين ولم تعامل معاملة أين وهؤلاء . ثم إن مسمياتها لما كانت عنصر الكلام وبسائطه التي يتركب منها . كلام مظوم مما ينظمون منه كلامهم ، فلو كان من غير الله لما عجزوا عن آخرهم مع تظاهرهم وقوة فصاحتهم عن الإتيان بما يدانيه ، وليكون أول ما يقرع الأسماع مستقلاً بنوع من الإعجاز ، فإن النطق بأسماء الحروف مختص بمن خط ودوس ، فأما من الأمي الذي لم يخالط الكتاب فمستعد مستغرب خارق للعادة كالكتابة والتلاوة سيما وقد راعى في ذلك ما يعجز عنه الأدب الأريب الفائق في فنه ، وهو أنه أورد الفواتح أربعة عشر اسماً هي نصف أسامي حروف المعجم ، إن لم يعد فيها الألف حرفاً برأسها في تسع وعشرين سورة بعددها إذا عد فيها الألف الأصلية مشتملة على أنصاف أنواعها ، فذكر من المهموسة وهي ما يضعف الاعتماد على مخرجه ويجمعها ( ستشحثك خصفه ) نصفها الحاء والكاف والهاء والصاد والسين والكاف ، ومن البواقي المجهورة نصفها يجمعه لن يقطع أمر . ومن الشدايدة الثمانية المجموعة في ( أجدت طبقك ) أربعة يجمعها ( أقطعك ) . ومن البواقي الرخوة عشرة يجمعها خمس على نصره ، ومن المطبقة التي هي الصاد والضاد والطاء والظاء نصفها ، ومن البواقي المنفتحة نصفها ، ومن القلقلة وهي : حروف تضطرب عند خروجها ويجمعها ( قد طبج ) نصفها الأقل لقلتها ، ومن اللينتين الياء لأنها أقل ثقلاً ، ومن المستعلية وهي : التي يتصعد الصوت بها في الحنك الأعلى ، وهي سبعة القاف والصاد والطاء والخاء والغين والضاد والظاء نصفها الأقل ، ومن البواقي المنخفضة نصفها ، ومن حروف البدل وهي أحد عشر على ما ذكره سيبويه ، واختاره ابن جني ويجمعها ( أحد طويت ) منها الستة الشائعة المشهورة التي يجمعها أهطمين وقد زاد بعضهم سبعة أخرى وهي اللام في ( أصيلال ) والصاد والزاي في ( صراط وزراط ) والفاء في ( أجدف ) والعين في ( أعن ) والثاء في ( ثروغ الدلو ) والباء في باسمك حتى صارت ثمانية عشر وقد ذكر منها تسعة الستة المذكورة واللام والصاد والعين . ومما يدغم في مثله ولا يدغم في المقارب وهي خمسة عشر : الهمزة والهاء والعين والصاد والطاء والميم والياء والخاء والغين والضاد و الفاء والظاء والشين والزاي والواو نصفها الأقل . ومما يدغم فيهما وهي الثلاثة عشر الباقية نصفها الأكثر : الحاء والقاف والراء والسين واللام والنون لما في الإدغام من الخفة و الفصاحة ، ومن الأربعة التي لا تدغم فيما يقاربها ويدعم فيها مقاربها وهي : الميم والزاي والسين والفاء نصفها .
ولما كانت الحروف الذلقية التي يعتمد عليها بذلف اللسان وهي يجمعها ( رب منفل ) والحلقية التي هي الحاء والخاء والعين و الغين و الهاء والهمزة ، كثيرة الوقوع في الكلام ذكر ثلثيهما . ولما كانت أبنية المزيد لا تتجاوز عن السباعية ذكر من الزوائد العشرة التي يجمعها ( اليوم تنساه ) سبعة أحرف منها تنبيهاً على ذلك ، ولو اسقريت الكلم وتراكيبها وجدت الحروف المتروكة من كل جنس مكثورة بالمذكورة ثم إنه ذكرها مفردة وثنائية وثلاثية ورباعية وخماسية ، إيذاناً بأن المتحدى به مركب من كلماتهم التي أصولها كلمات مفردة ، ومركبة من حرفين فصاعداً إلى الخمسة ، وذكر ثلاث مفردات في ثلاث سور لأنها توجد في الأقسام الثلاثة : الاسم والفعل والحرف وأربع ثنائيات لأنها تكون في الحرف بلا حذف ( كبل ) ، وفي الفعل بحذف ثقل كقل . وفي الاسم بغير حذف كمن ، وبه كدم في تسع سور لوقوعها في كل واحد من الأقسام الثلاثة على ثلاثة أوجه : ففي الأسماء من وإذ وذو وفي الأفعال قل وبع وخف . وفي الحروف من وإن ومذ على لغة من جربها . وثلاث ثلاثيات لمجيئها في الأقسام الثلاثة في ثلاث عشرة سورة تنبيهاً على أن أصول الأبنية المستعملة ثلاثة عشر ، عشرة منها للأسماء ، وثلاثة للأفعال ، ورباعيتين وخماسيتين تنبيهاً على أن لكل منهما أصلاً : كجعفر وسفرجل ، وملحقاً . كقردد و جحنفل ، ولعلها فرقت على السور ولم تعد بأجمعها في أول القرآن لهذه الفائدة مع ما فيه من إعادة التحدي وتكرير التنبيه والمبالغة فيه .
والمعنى أن هذا المتحدى به مؤلف من جنس هذه الحروف . أو المؤلف منها ، كذا وقيل : هي أسماء للسور ، وعليه إطباق الأكثر . سميت بها إشعاراً بأنها كلمات معروفة التركيب فلو لم تكن وحياً من الله تعالى لم تتساقط مقدرتهم دون معارضتها ، واستدل عليه بأنها لو لم تكن مفهمة كان الخطاب بها كالخطاب بالمهمل والتكلم بالزنجي مع العربي ، ولم يكن القرآن بأسره بياناً وهدى . ولما أمكن التحدي به وإن كانت مفهمة ، فإما أن يراد بها السور التي هي مستهلها على أنها ألقابها ، أو غير ذلك . والثاني باطل لأنه ، إما أن يكون المراد ما وضعت له في لغة العرب فظاهر أنه ليس كذلك ، أو غيره وهو باطل لأن القرآن نزل على لغتهم لقوله تعالى : " بلسان عربي مبين " فلا يحمل على ما ليس في لغتهم . لا يقال : لم يجوز أن تكون مزيدة للتنبيه ؟ والدلالة على انقطاع كلام واستئناف آخره ؟ كما قاله قطرب ، أو إشارة إلى كلمات هي منها اقتصرت عليها اقتصار الشاعر في قوله :
قلت لها قفي فقالت قاف
كما روي عن ابن عباس رضي الله تعالى عنهما قال : الألف آلاء الله ، و اللام لفظه ، والميم ملكه . وعنه أن الروحم ون مجموعها الرحمن . وعنه أن آلم معناه : أنا الله أعلم ونحو ذلك في سائر الفواتح . وعنه أن الألف من الله ، واللام من جبريل ، والميم من محمد أي : القرآن منزل من الله بلسان جبريل على محمد عليهما الصلاة والسلام ، أو إلى مدد أقوام وآجال بحساب الجمل كما قال أبو العالية متمسكاً بما روي :
" أنه عليه الصلاة والسلام لما أتاه اليهود تلا عليهم " الم " البقرة . فحسبوه وقالوا : كيف ندخل في دين مدته إحدى وسبعون سنة ، فتبسم رسول الله صلى الله عليه وسلم فقالوا :فهل غيره ، فقال :" المص " و"الر" و"المر" ، فقالوا : خلطت علينا فلا ندري بأيها نأخذ " . فإن تلاوته إياها بهذا الترتيب عليهم وتقريرهم على استنباطهم دليل على ذلك ، وهذه الدلالة وإن لم تكن عربية لكنها لاشتهارها فيما بين الناس حتى العرب تلحقها بالمعربات كالمشكاة والسجيل والقسطاس ، أو دلالة على الحروف المبسوطة مقسماً بها لشرفها من حيث إنها بسائط أسماء الله تعالى ومادة خطابه .
هذا وإن القول بأنها أسماء السور يخرجها ما ليس في لغة العرب ، لأن التسمية بثلاثة أسماء فصاعداً مستكره عندهم ويؤدي إلى اتحاد والمسمى ، ويستدعى تأخر الجزء عن الكل من حيث إن الاسم متأخر عن المسمى بالرتبة ، لأنا نقول : إن هذه الألفاظ لم تعهد مزيدة للتنبيه والدلالة على الانقطاع والاستئناف يلزمها وغيرها من حيث إنها فواتح السور ، ولا يقتضي ذلك أن لا يكون معنى في حيزها ولم تستعمل للاختصار من كلمات معينة في لغتهم ، أما الشعر فشاذ، وأما قول ابن عباس ، فتنبيه على أن هذه الحروف منبع الأسماء ومبادئ الخطاب وتمثيل بأمثلة حسنة ، ألا ترى أنه عد كل حرف من كلمات متباينة لا تفسير ، وتخصيص بهذه المعاني دون غيرها إذ لا مخصص لفظاً ومعنى ولا بحساب الجمل فتلحق بالمعربات ، والحديث لا دليل فيه ، لجواز أنه عليه الصلاة السلام تبسم تعجباً من جهلهم ، وجعلها مقسماً بها وإن كان غير ممتنع لكنه يحوج إلى إضمار أشياء لا دليل عليها ، والتسمية بثلاثة أسماء إنما تمتنع إذا ركبت وجعلت اسماً واحداً على طريقة بعلبك ، فأما إذا نثرت أسماء العدد فلا ، و ناهيك بتسوية سيبويه بين التسمية بالجملة والبيت من الشعر وطائفة من أسماء حروف المعجم ، والمسمى هو مجموع السورة والاسم جزؤها فلا اتحاد ، وهو مقدم من حيث ذاته مؤخر باعتبار كونه اسماً ، فلا دور لاختلاف الجهتين . والوجه الأول أقرب إلى التحقيق وأوفق للطائف التنزيل وأسلم من لزوم النقل ووقوع الاشتراك في الأعلام من واضع واحد فإنه يعود بالنقض علىما هو مقصود بالعلمية ، وقيل : إنها أسماء القرآن ولذلك أخبر عنها بالكتاب والقرآن .
وقيل : إنها أسماء لله تعالى وبدل عليه أن علياً كرم الله وجهه كان يقول : يا كهيعص ، ويا حمعسق ، ولعله أراد يا منزلهما .
وقيل : الألف : من أقصى الحلق وهو مبدأ المخارج ، واللام : من طرف اللسان وهو أوسطها ، والميم : من الشفة وهو آخرها جمع بينها إيماء إلى أن العبد ينبغي أن يكون أول كلامه ، وأوسطه وآخره ذكر الله تعالى .
وقيل : إنه سر استأثره الله بعلمه وقد روي عن الخلفاء الأربعة وغيرهم من الصحابة ما يقرب منه ، ولعلهم أرادوا أنها أسرار بين الله تعالى ورسوله ورموز لم يقصد بها إفهام غيره إذ يبعد الخطاب بما لا يفيد . فإن جعلتها أسماء الله تعالى ، أو القرآن ، أو السور كان لها حظ من الإعراب إما الرفع على الابتداء ، أو الخبر ، أو النصب بتقدير فعل القسم على طريقة الله لأفعلن بالنصب أو غيره كما ذكر ، أو الجر على إضمار حرف القسم ، ويتأتى الإعراب لفظاً والحكاية فيما كانت مفردة أو موازنة لمفرد كحم فإنها كهابيل ، والحكاية ليست إلا فيما عدا ذلك ، وسيعود إليك ذكره مفصلاً إن شاء الله تعالى ، وإن أبقيتها على معانيها فإن قدرت بالمؤلف من هذه الحروف كان في حيز الرفع بالابتداء أو الخبر علىما مر، وإن جعلتها مقسماً بها يكون كل كلمة منها منصوباً أو مجروراً على اللغتين في الله لأفعلن ، وتكون جملة قسمية بالفعل المقدر له ، وإن جعلتها أبعاض كلمات أو أصواتاً منزلة منزلة حروف التنبيه لم يكن لها محل من الإعراب كالجمل المبتدأة والمفردات المعدودة ويوقف عليها وقف التمام إذا قدرت بحيث لا تحتاج إلى ما بعدها ، وليس شيء منها آية عند غير الكوفيين . وأما عندهم فـ " الم " في مواضعها ، و " المص " و " كهيعص " و " طه " و " طسم " و" طس " و " يس " و " حم " و " عسق " آيتان ، و البواقي ليست بآيات وهذا توقيف لا مجال للقياس فيه .

SURAH 2. Al-Baqara
1. Alif. Lam. Mim.
SURA 2: BAQARAH
1 - A. L. M.