[الأحقاف : 31] يَا قَوْمَنَا أَجِيبُوا دَاعِيَ اللَّهِ وَآمِنُوا بِهِ يَغْفِرْ لَكُم مِّن ذُنُوبِكُمْ وَيُجِرْكُم مِّنْ عَذَابٍ أَلِيمٍ
31 - (يا قومنا أجيبوا داعي الله) محمدا صلى الله عليه وسلم إلى الإيمان (وآمنوا به يغفر) الله (لكم من ذنوبكم) أي بعضها لأن منها المظالم لا تغفر إلا برضاء أصحابها (ويجركم من عذاب أليم) مؤلم
يقول تعالى ذكره مخبراً عن قيل نمهؤلاء النفر من الجن " يا قومنا " من الجن "أجيبوا داعي الله " قالوا : أجيبوا رسول الله صلى الله عليه وسلم إلى ما يدعوكم إليه من طاعة الله " و آمنوا به " يقول : وصدقوه فيما جاءكم به وقومه من أمر الله ونهيه ، وغير ذلك مما دعاكم إلى التصديق به " يغفر لكم " قول : يتغمد لكم ربكم من ذنوبكم فيسترها لكم ولا يفضحكم بها في الآخرة بعقوبته إياكم عليها " ويجركم من عذاب أليم " يقولا : وينقذكم من عذاب موجع إذا تبتم من ذنوبكم ، وأنبتم من كفركم إلى الأيمان بالله وبداعيه .
قوله تعالى : " يا قومنا أجيبوا داعي الله " يعني محمداً صلى الله عليه وسلم ، وهذا يدل على أنه كان مبعوثاً إلى الجن والإنس ، قال مقاتل : ولم يبعث الله نبياً إلى الجن والإنس قبل محمد صلى الله عليه وسلم .
قلت : يدل على قوله ما في صحيح مسلم عن جابر بن عبد الله الأنصاري قال : " قال رسول الله صلى الله عليه وسلم : أعطيت خمساً لم يعطهن أحد قبلي كان كل نبي يبعث إلى قومه خاصة وبعثت إلى كل أحمر وأسود وأحلت لي الغنائم ولم تحل لأحد قبلي وجعلت لي الأرض طيبة طهوراً ومسجداً فأيما رجل أدركته الصلاة صلى حيث كان ونصرت بالرعب بين يدي مسيرة شهر وأعطيت الشفاعة "، قال مجاهد : الأحمر والأسود : الجن والإنس ، وفي رواية من حديث أبي هريرة : " وبعثت إلى الخلق كافة وختم بي النبيون " ، " وآمنوا به " أي بالداعي هو محمد صلى الله عليه وسلم ، وقيل : ( به ) أي بالله ،لقوله : " يغفر لكم من ذنوبكم " قال ابن عباس : فاستجاب لهم من قومهم سبعون رجلاً ، فرجعوا إلى النبي صلى الله عليه وسلم فوافقوه بالبطحاء ، فقرأ عليهم القرآن وأمرهم ونهاهم .
مسألة : هذه الآية تدل على أن الجن كالإنس في الأمر والنهي والثواب والعقاب ، وقال الحسن : ليس لمؤمني الجن ثواب غير نجاتهم من النار ، يدل عليه قوله تعالى " يغفر لكم من ذنوبكم ويجركم من عذاب أليم " وبه قال أبو حنيفة قال : ليس ثواب الجن إلا أن يجاروا من النار ، ثم يقال لهم : كونوا تراباً مثل البهائم ، وقال آخرون ، إنهم كما يعاقبون في الإساءة يجازون في الإحسان مثل الإنس ، وإليه ذهب مالك و الشافعي و ابن أبي ليلى ، وقد قال الضحاك : الجن يدخلون الجنة ويأكلون ويشربون قال القشيري : والصحيح أن هذا مما لم يقطع فيه بشيء ، والعلم عند الله .
قلت : قوله تعالى : " ولكل درجات مما عملوا " [ الأحقاف : 19 ] ، يدل على أنهم يثابون ويدخلون الجنة ، لأنه قال في أول الآية : " يا معشر الجن والإنس ألم يأتكم رسل منكم يقصون عليكم آياتي " إلى أن قال : " ولكل درجات مما عملوا " الأنعام : 132 ] ، والله أعلم ، وسيأتي لهذا في سورة الرحمن مزيد بيان إن شاء الله تعالى .
قال الإمام أحمد: حدثنا إسماعيل بن إبراهيم, حدثنا داود عن الشعبي وابن أبي زائدة, أخبرنا داود عن الشعبي عن علقمة قال: قلت لعبد الله بن مسعود رضي الله عنه: هل صحب رسول الله صلى الله عليه وسلم ليلة الجن منكم أحد ؟ فقال: ما صحبه منا أحد ولكنا فقدناه ذات ليلة بمكة فقلنا اغتيل ؟ استطير ؟ ما فعل ؟ قال: فبتنا بشر ليلة بات بها قوم, فلما كان في وجه الصبح ـ أو قال ـ في السحر إذا نحن به يجيء من قبل حراء, فقلنا: يا رسول الله, فذكروا له الذي كانوا فيه فقال: "إنه أتاني داعي الجن فأتيتهم فقرأت عليهم" قال: فانطلق فأرانا آثارهم وآثار نيرانهم قال: قال الشعبي: سألوه الزاد, قال عامر: سألوه بمكة وكانوا من جن الجزيرة فقال: "كل عظم ذكر اسم الله عليه أن يقع في أيديكم أوفر ما يكون لحماً, وكل بعرة أو روثة علف لدوابكم ـ قال ـ فلا تستنجوا بهما فإنهما زاد إخوانكم من الجن" وهكذا رواه مسلم في صحيحه عن علي بن حجر عن إسماعيل بن علية به نحوه.
وقال مسلم أيضاً: حدثنا محمد بن المثنى, حدثنا عبد الأعلى, حدثنا داود وهو ابن أبي هند عن عامر قال: سألت علقمة: هل كان ابن مسعود رضي الله عنه شهد مع رسول الله صلى الله عليه وسلم ليلة الجن ؟ قال فقال علقمة: أنا سألت ابن مسعود رضي الله عنه فقلت: هل شهد أحد منكم مع رسول الله صلى الله عليه وسلم ليلة الجن ؟ قال: لا ولكنا كنا مع رسول الله صلى الله عليه وسلم ذات ليلة ففقدناه, فالتمسناه في الأودية والشعاب فقيل استطير ؟ اغتيل ؟ قال: فبتنا بشر ليلة بات بها قوم, فلما أصبحنا إذ هو جاء من قبل حراء, قال: فقلنا: يا رسول الله فقدناك فطلبناك فلم نجدك, فبتنا بشر ليلة بات بها قوم, فقال: "أتاني داعي الجن فذهبت معهم فقرأت عليهم القرآن". قال: فانطلق بنا فأرانا آثارهم وآثار نيرانهم, وسألوه الزاد فقال: "كل عظم ذكر اسم الله عليه يقع في أيديكم أوفر مايكون لحماً, وكل بعرة أو روثة علف لدوابكم" قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: "فلا تستنجوا بهما فإنهما طعام إخوانكم".
(طريق أخرى) عن ابن مسعود رضي الله عنه. قال أبو جعفر بن جرير: حدثني أحمد بن عبد الرحمن, حدثني عمي, حدثني يونس عن الزهري عن عبيد الله بن عبد الله قال: إن عبد الله بن مسعود رضي الله عنه قال: سمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول: "بت الليلة أقرأ على الجن واقفاً بالحجون".
(طريق أخرى) فيها أنه كان معه ليلة الجن. قال ابن جرير رحمه الله: حدثني أحمد بن عبد الرحمن بن وهب, حدثنا عمي عبد الله بن وهب, أخبرني يونس عن ابن شهاب عن أبي عثمان بن سنة الخزاعي, وكان من أهل الشام قال: إن عبد الله بن مسعود رضي الله عنه قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم لأصحابه وهو بمكة: "من أحب منكم أن يحضر أمر الجن الليلة فليفعل" فلم يحضر منهم أحد غيري, قال: فانطلقنا حتى إذا كنا بأعلى مكة خط لي برجله خطاً ثم أمرني أن أجلس فيه ثم انطلق حتى قام, فافتتح القرآن فغشيته أسودة كثيرة حالت بيني وبينه حتى ما أسمع صوته, ثم طفقوا يتقطعون مثل قطع السحاب, ذاهبين حتى بقي منهم رهط, ففرغ رسول الله, فأعطاهم عظماً وروثاً, ثم نهى أن يستطيب أحد بروث أو عظم. ورواه ابن جرير عن محمد بن عبد الله بن عبد الحكم عن أبي زرعة وهب بن راشد عن يونس بن يزيد الأيلي به.
ورواه البيهقي في الدلائل من حديث عبد الله بن صالح كاتب الليث عن يونس به, وقد روى إسحاق بن راهويه عن جرير عن قابوس بن أبي ظبيان عن أبيه عن ابن مسعود رضي الله عنه, فذكر نحو ما تقدم ورواه الحافظ أبو نعيم من طريق موسى بن عبيدة عن سعيد بن الحارث عن أبي المعلى عن ابن مسعود رضي الله عنه, فذكر نحوه أيضاً.
(طريق أخرى) قال أبو نعيم: حدثنا أبو مالك, حدثنا عبد الله بن أحمد بن حنبل, حدثني أبي قال: حدثنا عفان وعكرمة قالا: حدثنا معتمر قال: قال أبي: حدثني أبو تميمة عن عمرو, ولعله قد يكون قال البكالي يحدثه عمرو عن عبد الله بن مسعود رضي الله عنه قال: استتبعني رسول الله صلى الله عليه وسلم فانطلقنا حتى أتينا مكان كذا وكذا, فخط لي خطاً فقال: "كن بين ظهر هذه لا تخرج منها فإنك إن خرجت هلكت" فذكر الحديث بطوله وفيه غرابة شديدة.
(طريق أخرى) قال ابن جرير: حدثنا ابن عبد الأعلى, حدثنا ابن ثور عن معمر عن يحيى بن أبي كثير, عن عبد الله بن عمرو بن غيلان الثقفي أنه قال لابن مسعود رضي الله عنه: حدثت أنك كنت مع رسول الله صلى الله عليه وسلم ليلة وفد الجن. قال: أجل, قال: فكيف كان ؟ فذكر الحديث وذكر أن النبي صلى الله عليه وسلم خط عليه خطاً وقال: "لا تبرح منها" فذكر مثل العجاجة السوداء فغشيت رسول الله صلى الله عليه وسلم, فذعر ثلاث مرات حتى كان قريباً من الصبح أتاني النبي صلى الله عليه وسلم فقال: "أنمت ؟" فقلت: لا والله, ولقد هممت مراراً أن أستغيث بالناس حتى سمعتك تقرعهم بعصاك تقول "اجلسوا" فقال صلى الله عليه وسلم: "لو خرجت لم آمن أن يتخطفك بعضهم" ثم قال صلى الله عليه وسلم "هل رأيت شيئاً ؟" قلت: نعم رأيت رجالاً سوداً مستشعرين ثياباً بيضاً قال صلى الله عليه وسلم: "أولئك جن نصيبين سألوني المتاع ـ والمتاع الزاد ـ فمتعتهم بكل عظم حائل أو بعرة أو روثة فقلت يا رسول الله وما يغني ذلك عنهم ؟ فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم: إنهم لا يجدون عظماً إلا وجدوا عليه لحمه يوم أكل. ولا روثاً إلا وجدوا فيها حبها يوم أكلت, فلا يستنقين أحد منكم إذا خرج من الخلاء بعظم ولا بعرة ولا روثة".
(طريق أخرى) قال الحافظ أبو بكر البيهقي: أخبرنا أبو عبد الرحمن السملي وأبو نصر بن قتادة قال أخبرنا أبو محمد بن يحيى بن منصور القاضي, حدثنا أبو عبد الله محمد بن إبراهيم البوشنجي, حدثنا روح بن صلاح, حدثنا موسى بن علي بن رباح عن أبيه عن عبد الله بن مسعود رضي الله عنه قال: استتبعني رسول الله صلى الله عليه وسلم فقال: "إن نفراً من الجن خمسة عشر بني إخوة وبني عم يأتوني الليلة أقرأ عليهم القرآن" فانطلقت معه إلى المكان الذي أراد فخط لي خطاً وأجلسني فيه وقال لي "لاتخرج من هذا" فبت فيه حتى أتاني رسول الله صلى الله عليه وسلم مع السحر في يده عظم حائل وروثة وحمة فقال: "إذا ذهبت إلى الخلاء فلا تستنج بشيء من هؤلاء" قال: فلما أصبحت قلت لأعلمن حيث كان رسول الله صلى الله عليه وسلم قال فذهبت فرأيت موضع مبرك ستين بعيراً.
(طريق أخرى) قال البيهقي: أخبرنا أبو عبد الله الحافظ, أخبرنا أبو العباس الأصم, حدثنا العباس بن محمد الدوري, حدثنا عثمان بن عمر عن الشمر بن الريان عن أبي الجوزاء عن عبد الله بن مسعود رضي الله عنه قال: انطلقت مع رسول الله صلى الله عليه وسلم ليلة الجن حتى أتى الحجون, فخط لي خطاً ثم تقدم إليهم, فازدحموا عليه فقال سيد لهم يقال له وردان: أنا أرحلهم عنك. فقال: إني لن يجيرني من الله أحد.
(طريق أخرى) قال الإمام أحمد: حدثنا عبد الرزاق, حدثنا سفيان بن أبي فزارة العبسي, حدثنا أبو زيد مولى عمرو بن حريث عن ابن مسعود رضي الله عنه قال: لما كانت ليلة الجن قال لي النبي صلى الله عليه وسلم: "أمعك ماء ؟" قلت: ليس معي ماء ولكن معي إداوة فيها نبيذ فقال النبي صلى الله عليه وسلم: "تمرة طيبة وماء طهور" رواه أبو داود والترمذي وابن ماجه من حديث زيد به.
(طريق أخرى) قال الإمام أحمد: حدثنا يحيى بن إسحاق, أخبرنا ابن لهيعة عن قيس بن الحجاج عن حنش الصنعاني عن ابن عباس عن عبد الله بن مسعود رضي الله عنهم قال: إنه كان مع رسول الله صلى الله عليه وسلم ليلة الجن فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم: "يا عبد الله أمعك ماء ؟" قال: معي نبيذ في إداوة. قال صلى الله عليه وسلم: "اصبب علي" فتوضأ. فقال النبي صلى الله عليه وسلم: "ياعبد الله شراب وطهور" تفرد به أحمد من هذا الوجه, وقد أورده الدارقطني من طريق آخر عن ابن مسعود رضي الله عنه.
(طريق أخرى) قال الإمام أحمد: حدثنا عبد الرزاق, أخبرني أبي عن ميناء عن عبد الله رضي الله عنه قال كنت مع رسول الله صلى الله عليه وسلم ليلة وفد الجن, فلما انصرف تنفس فقلت: ما شأنك ؟ قال: "نعيت إلي نفسي يا ابن مسعود" هكذا رأيته في المسند مختصراً, وقد رواه الحافظ أبو نعيم في كتابه دلائل النبوة فقال: حدثنا سليمان بن أحمد بن أيوب, حدثنا إسحاق بن إبراهيم, وحدثنا أبو بكر بن مالك حدثنا عبد الله بن أحمد بن حنبل, حدثنا أبي قال: حدثنا عبد الرزاق عن أبيه عن ميناء عن ابن مسعود قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: "نعيت إلي نفسي يا ابن مسعود" قلت: استخلف. قال: "من ؟" قلت: أبا بكر. قال: فسكت ثم مضى ساعة فتنفس فقلت: ما شأنك بأبي أنت وأمي يا رسول الله ؟ قال: "نعيت إلي نفسي يا ابن مسعود" قلت: استخلف. قال: "من ؟" قلت: عمر. فسكت ساعة ثم مضى ثم تنفس فقلت ؟ ما شأنك ؟ قال: "نعيت إلي نفسي" قلت: فاستخلف قال صلى الله عليه وسلم "من ؟" قلت: علي بن أبي طالب رضي الله عنه. قال صلى الله عليه وسلم: "أما والذي نفسي بيده لئن أطاعوه ليدخلن الجنة أجمعين أكتعين" وهو حديث غريب جداً وأحرى به أن لا يكون محفوظاً, وبتقدير صحته فالظاهر أن هذا بعد وفودهم إليه بالمدينة على ما سنورده إن شاء الله تعالى, فإن في ذلك الوقت كان في آخر الأمر لما فتحت مكة ودخل الناس والجان أيضاً في دين الله أفواجاً نزلت سورة "إذا جاء نصر الله والفتح * ورأيت الناس يدخلون في دين الله أفواجاً * فسبح بحمد ربك واستغفره إنه كان تواباً" وهي السورة التي نعيت نفسه الكريمة فيها إليه كما نص على ذلك ابن عباس رضي الله عنهما, ووافقه عمر بن الخطاب رضي الله عنه عليه, وقد ورد في ذلك حديث سنورده إن شاء الله تعالى عند تفسيرها, والله أعلم وقد رواه أبو نعيم أيضاً عن الطبري عن محمد بن عبد الله الحضرمي عن علي بن الحسين بن أبي بردة, عن يحيى بن سعيد الأسلمي, عن حرب بن صبيح عن سعيد بن سلمة عن أبي مرة الصنعاني, عن أبي عبد الله الجدلي عن ابن مسعود رضي الله عنه فذكره وذكر فيه قصة الاستخلاف, وهذا إسناد غريب وسياق عجيب.
(طريق أخرى) قال الإمام أحمد: حدثنا أبو سعيد, حدثنا حماد بن سلمة عن علي بن زيد عن أبي رافع عن ابن مسعود أن رسول الله صلى الله عليه وسلم خط حوله, فكان أحدهم مثل سواد النخل وقال: "لا تبرح مكانك فأقرئهم كتاب الله" فلما رأى المرعى قال: كأنهم هؤلاء وقال النبي صلى الله عليه وسلم "أمعك ماء ؟" قلت: لا. قال: "أمعك نبيذ ؟" قلت: نعم فتوضأ به.
(طريق أخرى مرسلة) قال ابن أبي حاتم: حدثنا أبو عبد الله الظهراني, أخبرنا حفص بن عمر العدني, حدثنا الحكم بن أبان عن عكرمة في قوله تعالى: "وإذ صرفنا إليك نفراً من الجن" قال هم اثنا عشر ألفاً جاؤوا من جزيرة الموصل, فقال النبي صلى الله عليه وسلم لابن مسعود رضي الله عنه: "أنظرني حتى آتيك" وخط عليه خطاً وقال "لا تبرح حتى آتيك" فلما خشيهم ابن مسعود رضي الله عنه كاد أن يذهب, فذكر قول رسول الله صلى الله عليه وسلم فلم يبرح, فقال له النبي صلى الله عليه وسلم: "لو ذهبت ما التقينا إلى يوم القيامة".
(طريق أخرى مرسلة أيضاً): قال سعيد بن أبي عروبة عن قتادة قوله تعالى: "وإذ صرفنا إليك نفراً من الجن يستمعون القرآن" قال: ذكر لنا أنهم صرفوا إليه من نينوى وأن نبي الله صلى الله عليه وسلم قال: "إني أمرت أن أقرأ على الجن فأيكم يتبعني ؟" فأطرقوا ثم استتبعهم فأطرقوا ثم استتبعهم الثالثة فقال رجل: يا رسول الله إن ذاك لذو ندبة, فأتبعه ابن مسعود رضي الله عنه أخو هذيل, قال فدخل النبي صلى الله عليه وسلم شعباً يقال له شعب الحجون وخط عليه, وخط على ابن مسعود رضي الله عنه خطاً ليثبته بذلك, قال: فجعلت أهال وأرى أمثال النسور تمشي في دفوفها وسمعت لغطاً شديداً حتى خفت على نبي الله صلى الله عليه وسلم ثم تلا القرآن فلما رجع رسول الله صلى الله عليه وسلم قلت يا رسول الله ما اللغط الذي سمعت ؟ قال صلى الله عليه وسلم: "اختصموا في قتيل فقضي بينهم بالحق" رواه ابن جرير وابن أبي حاتم.
فهذه الطرق كلها تدل على أنه صلى الله عليه وسلم ذهب إلى الجن قصداً فتلا عليهم القرآن ودعاهم إلى الله عز وجل وشرع الله تعالى لهم على لسانه ماهم محتاجون إليه في ذلك الوقت وقد يحتمل أن أول مرة سمعوه يقرأ القرآن لم يشعر بهم, كما قال ابن عباس رضي الله عنهما. ثم بعد ذلك وفدوا إليه كما رواه ابن مسعود رضي الله عنه, وأما ابن مسعود رضي الله عنه فإنه لم يكن مع رسول الله صلى الله عليه وسلم حال مخاطبته للجن ودعائه إياهم, وإنما كان بعيداً منه ولم يخرج مع النبي صلى الله عليه وسلم أحد سواه ومع هذا لم يشهد حال المخاطبة, هذه طريقة البيهقي, وقد يحتمل أن يكون أول مرة خرج إليهم لم يكن معه صلى الله عليه وسلم ابن مسعود رضي الله عنه ولا غيره, كما هو ظاهر سياق الرواية الأولى من طريق الإمام أحمد, وهي عند مسلم, ثم بعد ذلك خرج معه ليلة أخرى, والله أعلم, كما روى ابن أبي حاتم في تفسير "قل أوحي إلي" من حديث ابن جريج قال: قال عبد العزيز بن عمر: أما الجن الذي لقوه بنخلة فجن نينوى, وأما الجن الذين لقوه بمكة فجن نصيبين, وتأوله البيهقي على أنه يقول فبتنا بشر ليلة بات بها قوم على غير ابن مسعود رضي الله عنه ممن لم يعلم بخروجه صلى الله عليه وسلم إلى الجن, وهو محتمل على بعد, والله أعلم.
وقد قال الحافظ أبو بكر البيهقي,: أخبرنا أبو عمرو محمد بن عبد الله الأديب, حدثنا أبو بكر الإسماعيلي, أخبرنا الحسن بن سفيان, حدثنا سويد بن سعيد, حدثنا عمرو بن يحيى عن جده سعيد بن عمرو قال: كان أبو هريرة رضي الله عنه يتبع رسول الله صلى الله عليه وسلم بأداوة لوضوئه وحاجته, فأدركه يوماً فقال "من هذا ؟" قال: أنا أبو هريرة. قال صلى الله عليه وسلم: "ائتني بأحجار أستنج بها ولا تأتني بعظم ولا روثة فأتيته بأحجار في ثوبي فوضعتها إلى جنبه حتى إذا فرغ وقام اتبعته فقلت: يا رسول الله ما بال العظم والروثة ؟ قال صلى الله عليه وسلم: أتاني وفد جن نصيبين فسألوني الزاد فدعوت الله تعالى لهم أن لا يمروا بروثة ولا عظم إلا وجدوه طعاماً" أخرجه البخاري في صحيحه عن موسى بن إسماعيل عن عمرو بن يحيى بإسناده قريباً منه, فهذا يدل على ما تقدم على أنهم وفدوا عليه بعد ذلك وسنذكر إن شاء الله تعالى ما يدل على تكرار ذلك.
وقد روى ابن عباس غير ما روى عنه أولاً من وجه جديد, فقال ابن جرير: حدثنا أبو كريب, حدثنا عبد الحميد الحماني, حدثنا النضر بن عربي عن عكرمة عن ابن عباس رضي الله عنهما في قوله تعالى: "وإذ صرفنا إليك نفراً من الجن" الاية. قال: كانوا سبعة نفر من أهل نصيبين, فجعلهم رسول الله رسلاً إلى قومهم. فهذا يدل على أنه روى القصتين. وقال ابن أبي حاتم: حدثنا علي بن الحسين, حدثنا سويد بن عبد العزيز, حدثنا رجل سماه عن ابن جريج عن مجاهد "وإذ صرفنا إليك نفراً من الجن" الاية, قال كانوا سبعة نفر ثلاثة من أهل حران وأربعة من أهل نصيبين, وكانت أسماؤهم حيي وحسي ومنسى وساصر وناصر والاردوبيان والأحتم, وذكر أبو حمزة الثمالي أن هذا الحي من الجن كان يقال له بنو الشيصان وكانوا أكثر الجن عدداً وأشرفهم نسباً, وهم كانوا عامة جنود إبليس.
وقال سفيان الثوري عن عاصم عن ذر عن بن مسعود رضي الله عنه كانوا تسعة أحدهم زوبعة, أتوه من أصل نخلة, وتقدم عنهم أنهم كانوا خمسة عشر, وفي رواية أنهم كانوا على ستين راحلة, وتقدم عنه أن اسم سيدهم وردان, وقيل: كانوا ثلثمائة, وتقدم عن عكرمة على أنهم كانوا اثني عشر ألفاً, فلعل هذا الاختلاف دليل على تكرار وفادتهم عليه صلى الله عليه وسلم, ومما يدل على ذلك ما قاله البخاري في صحيحه: حدثنا يحيى بن سليمان حدثني ابن وهب, حدثني عمر هو ابن محمد قال: إن سالماً حدثه عن عبد الله بن عمر بن الخطاب رضي الله عنهما قال: ما سمعت عمر رضي الله عنه يقول لشيء قط إني لأظنه هكذا إلا كان كما يظن بينما عمر بن الخطاب رضي الله عنه جالس إذ مر به رجل جميل فقال: لقد أخطأ ظني أو أن هذا على دينه في الجاهلية أو لقد كان كاهنهم, علي بالرجل, فدعي له, فقال له ذلك فقال: ما رأيت كاليوم استقبل به رجل مسلم قال: فإني أعزم عليك إلا ما أخبرتني قال: كنت كاهنهم في الجاهلية قال: فما أعجب ما جاءتك به جنيتك, قال: بينما أنا يوماً في السوق جاءتني أعرف فيها الفزع فقالت:
ألم تر الجن وإبلاسها ويأسها من بعد إنكاسها
ولحوقها بالقلاص وأحلاسها
قال عمر رضي الله عنه: صدق بينما أنا نائم عند آلهتهم إذ جاء رجل بعجل فذبحه فصرخ به صارخ لم أسمع صارخاً قط أشد صوتاً منه يقول: ياجليح, أمر نجيج رجل فصيح, يقول لا إله إلا الله قال: فوثب القوم فقلت: لا أبرح حتى أعلم ماوراء هذا, ثم نادى ياجليح أمر نجيح رجل فصيح يقول لا إله إلا الله, فقمت فما نشبنا أن قيل هذا نبي. هذا سياق البخاري, وقد رواه البيهقي من حديث ابن وهب بنحوه, ثم قال وظاهر هذه الرواية يوهم أن عمر رضي الله عنه بنفسه سمع الصارخ يصرخ من العجل الذي ذبح, وكذلك هو صريح في رواية ضعيفة عن عمر رضي الله عنه, وسائر الروايات تدل على أن هذا الكاهن هو الذي أخبر بذلك عن رؤيته وسماعه, والله أعلم, وهذا الذي قاله البيهقي هو المتجه وهذا الرجل هو سواد بن قارب, وقد ذكرت هذا مستقصى في سيرة عمر رضي الله عنه فمن أراده فليأخذه من ثم, ولله الحمد والمنة.
وقال البيهقي: حديث سواد بن قارب, ويشبه أن يكون هذا هو الكاهن الذي لم يذكر اسمه في الحديث الصحيح, أخبرنا أبو القاسم الحسن بن محمد بن حبيب المفسر من أصل سماعه, أخبرنا أبو عبد الله محمد بن عبد الله الأصبهاني قراءة عليه, حدثنا أبو جعفر أحمد بن موسى الحمار الكوفي بالكوفة, حدثنا زياد بن يزيد بن بادويه, حدثنا أبو بكر القصري حدثنا محمد بن النواس الكوفي, حدثنا أبو بكر بن عياش عن أبي إسحاق عن البراء رضي الله عنه قال: بينما عمر بن الخطاب رضي الله عنه يخطب الناس على منبر رسول الله صلى الله عليه وسلم إذ قال: أيها الناس أفيكم سواد بن قارب ؟ قال: فلم يجبه أحد تلك السنة. فلما كانت السنة المقبلة قال: أيها الناس أفيكم سواد بن قارب ؟ قال: فقلت يا أمير المؤمنين وما سواد بن قارب ؟ قال فقال له عمر رضي الله عنه: إن سواد بن قارب كان بدء إسلامه شيئاً عجيباً, قال فبينما نحن كذلك إذ طلع سواد بن قارب قال: فقال له عمر رضي الله عنه: يا سواد حدثنا ببدء إسلامك كيف كان ؟ قال سواد رضي الله عنه: فإني كنت نازلاً بالهند وكان لي رئي من الجن, قال فبينما أنا ذات ليلة نائم إذ جاءني في منامي ذلك, قال قم فافهم واعقل إن كنت تعقل, قد بعث رسول من لؤي بن غالب ثم أنشأ يقول:
عجبت للجـــــن وتحساسهـــــــا وشدها العيس بأحلاسها
تهوي إلى مكــــــة تبغي الهدى ما خير الجن كأنجاسهـــا
فانهض إلى الصفوة من هاشم واسم بعينيك إلى راسهـا
قال: ثم أنبهني فأفزعني وقال يا سواد بن قارب, إن الله عز وجل بعث نبياً فانهض إليه تهتد وترشد, فلما كان من الليلة الثانية أتاني فأنبهني ثم أنشأ يقول:
عجبت للجــــــــن وتطلابهـــــــا وشدها العيس بأقتابها
تهوي إلى مكـــــة تبغي الهدى ليــس قداماها كأذنابها
فانهض إلى الصفوة من هاشم واسم بعينيك إلى قابها
فلما كان في الليلة الثالثة أتاني فأنبهني ثم قال:
عجبـــت للجـــــن وتخبارهــــــا وشدها العيــس بأكوارها
تهوي إلى مكة تبغي الهــــــدى ليس ذوو الشر كأخيارها
فانهض إلى الصفوة من هاشم ما مؤمنو الجـن ككفارها
قال: فلما سمعته تكرر ليلة بعد ليلة وقع في قلبي حب الإسلام من أمر رسول الله صلى الله عليه وسلم ما شاء الله, قال فانطلقت إلى رحلي فشددته على راحلتي فما حللت تسعة ولا عقدت أخرى حتى أتيت رسول الله صلى الله عليه وسلم فإذا هو بالمدينة يعني مكة, والناس عليه كعرف الفرس, فلما رآني النبي صلى الله عليه وسلم قال: "مرحباً بك يا سواد بن قارب قد علمنا ما جاء بك" قال: قلت يا رسول الله قد قلت شعراً فاسمعه مني قال صلى الله عليه وسلم: "قل يا سواد" فقلت:
أتاني رئي بعد ليــــــل وهجعـــــــة ولم يك فيما قد بلـــــوت بكـــــاذب
ثلاث ليـــــال قولـــــه كل ليلــــــة : أتاك رسول من لؤي بن غالـــــــب
فشمرت عن ساقي الإزار ووسطت بي الدعلب الوجناء بين السباسب
فأشهــــــد أن الله لا رب غيــــــره وأنك مأمون علــــى كل غائـــــــب
وأنك أدنـــــى المرسلين شفــــاعة إلى الله يا ابن الأكرمين الأطايـب
فمرنا بما يأتيك يا خير مرســــــل وإن كان فيما جاء شيب الذوائـــب
وكن لي شفيعاً يوم لا ذو شفاعة سواك بمغن عن سواد بن قــــارب
قال: فضحك النبي صلى الله عليه وسلم حتى بدت نواجذه وقال لي: "أفلحت يا سواد" فقال عمر رضي الله عنه: هل يأتيك رئيك الان ؟ فقال: منذ قرأت القرآن لم يأتني ونعم العوض كتاب الله عز وجل من الجن. ثم أسنده البهيقي من وجهين آخرين. ومما يدل على وفادتهم إليه صلى الله عليه وسلم بعدما هاجر إلى المدينة الحديث الذي رواه الحافظ أبو نعيم في كتاب دلائل النبوة, حدثنا سليمان بن أحمد حدثنا محمد بن عبدة المصيصي, حدثنا أبو توبة الربيع بن نافع حدثنا معاوية بن سلام عن زيد بن أسلم أنه سمع أبا سلام يقول: حدثني من حدثه عمرو بن غيلان الثقفي قال: أتيت عبد الله بن مسعود رضي الله عنه فقلت له: حدثت أنك كنت مع رسول الله صلى الله عليه وسلم ليلة وفد الجن. قال: أجل, قلت: حدثني كيف كان شأنه! فقال إن أهل الصفة أخذ كل رجل منهم رجل يعشيه, وتركت فلم يأخذني أحد منهم, فمر بي رسول الله صلى الله عليه وسلم فقال: "من هذا ؟" فقلت: أنا ابن مسعود, فقال صلى الله عليه وسلم: "ما أخذك أحد يعشيك ؟" فقلت: لا , قال صلى الله عليه وسلم: "فانطلق لعلي أجد لك شيئاً".
قال: فانطلقنا حتى أتى رسول الله صلى الله عليه وسلم حجرة أم سلمة رضي الله عنها, فتركني قائماً ودخل إلى أهله ثم خرجت الجارية فقالت: يا ابن مسعود, إن رسول الله صلى الله عليه وسلم لم يجد لك عشاء فارجع إلى مضجعك, قال فرجعت إلى المسجد فجمعت حصباء المسجد فتوسدته والتففت بثوبي, فلم ألبث إلا قليلاً حتى جاءت الجارية فقالت: أجب رسول الله. فاتبعتها وأنا أرجو العشاء حتى إذا بلغت مقامي خرج رسول الله صلى الله عليه وسلم وفي يده عسيب من نخل فعرض به على صدري فقال صلى الله عليه وسلم: "انطلق أنت معي حيث انطلقت" قلت: ما شاء الله فأعادها علي ثلاث مرات. كل ذلك أقول ما شاء الله فانطلق, وانطلقت معه حتى أتينا بقيع الغرقد فخط صلى الله عليه وسلم بعصاه خطاً ثم قال: "اجلس فيها ولا تبرح حتى آتيك" ثم انطلق يمشي وأنا أنظر إليه خلال النخل, حتى إذا كان من حيث لا أراه ثارت قبله العجاجة السوداء ففرقت فقلت: ألحق برسول الله صلى الله عليه وسلم فإني أظن أن هوازن مكروا برسول الله صلى الله عليه وسلم ليقتلوه, فأسعى إلى البيوت فأستغيث الناس, فذكرت أن رسول الله صلى الله عليه وسلم أوصاني أن لا أبرح مكاني الذي أنا فيه, فسمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم يقرعهم بعصاه ويقول: "اجلسوا" فجلسوا حتى كاد ينشق عمود الصبح ثم ثاروا وذهبوا, فأتاني رسول الله فقال: "أنمت بعدي ؟" فقلت: لا ولقد فزعت الفزعة الأولى حتى رأيت أن آتي البيوت, فأستغيث الناس حتى سمعتك تقرعهم بعصاك, وكنت أظنها هوازن مكروا برسول الله صلى الله عليه وسلم ليقتلوه, فقال "لو أنك خرجت من هذه الحلقة ما أمنت عليك أن يختطفك بعضهم, فهل رأيت من شيء منهم ؟".
فقلت: رأيت رجالاً سوداً مستشعرين بثياب بيض, فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم: "أولئك وفد جن نصيبين أتوني فسألوني الزاد والمتاع فمتعتهم بكل عظم حائل أو روثة أو بعرة" قلت: فما يغني عنهم ذلك ؟ قال صلى الله عليه وسلم "إنهم لا يجدون عظماً إلا وجدوا عليه لحمه الذي كان عليه يوم أكل, ولا روثة إلا وجدوا فيها حبها الذي كان فيها يوم أكلت فلا يستنق أحد منكم بعظم ولا بعرة" وهذا إسناد غريب جداً ولكن فيه رجل مبهم لم يسم, والله تعالى أعلم. وقد روى الحافظ أبو نعيم من حديث بقية بن الوليد: حدثني نمير بن زيد القنبر. حدثنا أبي, حدثنا قحافة بن ربيعة, حدثني الزبير بن العوام رضي الله عنه قال: صلى بنا رسول الله صلى الله عليه وسلم صلاة الصبح في مسجد المدينة فلما انصرف قال: "أيكم يتبعني إلى وفد الجن الليلة ؟" فأسكت القوم ثلاثاً, فمر بي فأخذ بيدي فجعلت أمشي معه حتى حبست عنا جبال المدينة كلها, وأفضينا إلى أرض براز فإذا برجال طوال كأنهم الرماح مستشعرين بثيابهم من بين أرجلهم, فلما رأيتهم غشيتني رعدة شديدة ثم ذكر نحو حديث ابن مسعود المتقدم, وهذا حديث غريب, والله أعلم.
ومما يتعلق بوفود الجن ما رواه الحافظ أبو نعيم: حدثنا أبو محمد بن حبان, حدثنا أبو الطيب أحمد بن روح, حدثنا يعقوب الدورقي, حدثنا الوليد بن بكير التيمي, حدثنا حصين بن عمر, أخبرني عبيد المكتب عن إبراهيم قال: خرج نفر من أصحاب عبد الله يريدون الحج حتى إذا كانوا في بعض الطريق إذا هم بحية تنثني على الطريق أبيض, ينفح منه ريح المسك فقلت لصحابي: امضوا فلست ببارح حتى أنظر إلى ما يصير إليه أمر هذه الحية. قال: فما لبثت أن ماتت فعمدت إلى خرقة بيضاء فلففتها فيها ثم نحيتها عن الطريق, فدفنتها وأدركت أصحابي في المتعشى. قال: فوالله إنا لقعود إذ أقبل أربع نسوة من قبل المغرب فقالت واحدة منهن: أيكم دفن عمراً. قلنا: ومن عمرو, قالت: أيكم دفن الحية ؟ قال فقلت: أنا. قالت: أما والله لقد دفنت صواماً قواماً, يأمر بما أنزل الله تعالى, ولقد آمن بنبيكم وسمع صفته من السماء قبل أن يبعث بأربعمائة عام. قال الرجل: فحمدنا الله تعالى ثم قضينا حجتنا ثم مررت بعمر بن الخطاب رضي الله عنه بالمدينة, فأنبأته بأمر الحية فقال: صدقت سمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول: "لقد آمن بي قبل أن أبعث بأربعمائة سنة" وهذا حديث غريب جداً, والله أعلم.
قال أبو نعيم, وقد روى الثوري عن أبي إسحاق عن الشعبي عن رجل من ثقيف بنحوه, وروى عبد الله بن أحمد والظهراني عن صفوان بن المعطل: هو الذي نزل ودفن تلك الحية من بين الصحابة وأنهم قالوا إنه آخر التسعة موتاً الذين أتوا رسول الله صلى الله عليه وسلم يستمعون القرآن, وروى أبو نعيم من حديث الليث بن سعد عن عبد العزيز بن أبي سلمة الماجشون عن عمه, عن معاذ بن عبيد الله بن معمر قال: كنت جالساً عند عثمان بن عفان رضي الله عنه, فجاء رجل فقال: يا أمير المؤمنين إني كنت بفلاة من الأرض, فذكر أنه رأى ثعبانين اقتتلا ثم قتل أحدهما الاخر, قال: فذهبت إلى المعترك فوجدت حيات كثيرة مقتولة, وإذ ينفح من بعضها ريح المسك, فجعلت أشمها واحدة واحدة حتى وجدت ذلك من حية صفراء رقيقة, فلففتها في عمامتي ودفنتها, فبينا أنا أمشي إذ ناداني مناد: يا عبد الله لقد هديت, هذان حيان من الجن بنو شعيبان وبنو قيس التقوا فكان من القتلى ما رأيت, واستشهد الذي دفنته وكان من الذين سمعوا الوحي من رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: فقال عثمان لذلك الرجل إن كنت صادقاً فقد رأيت عجباً, وإن كنت كاذباً فعليك كذبك. وقوله تبارك وتعالى: "وإذ صرفنا إليك نفراً من الجن" أي طائفة من الجن "يستمعون القرآن فلما حضروه قالوا أنصتوا" أي استمعوا وهذا أدب منهم.
وقد قال الحافظ البيهقي: حدثنا الإمام أبو الطيب سهل بن محمد بن سليمان, أخبرنا أبو الحسن محمد بن عبد الله الدقاق, حدثنا محمد بن إبراهيم البوشنجي, حدثنا هشام بن عمار الدمشقي, حدثنا الوليد بن مسلم عن زهير بن محمد عن محمد بن المنكدر عن جابر بن عبد الله رضي الله عنهما قال: " قرأ رسول الله صلى الله عليه وسلم سورة الرحمن حتى ختمها ثم قال: ما لي أراكم سكوتاً ؟ للجن كانوا أحسن منكم رداً, ما قرأت عليهم هذه الاية من مرة "فبأي آلاء ربكما تكذبان" إلا قالوا: ولا بشيء من آلائك ونعمك ربنا نكذب فلك الحمد". ورواه الترمذي في التفسير عن أبي مسلم عبد الرحمن بن واقد عن الوليد بن مسلم به قال: خرج رسول الله صلى الله عليه وسلم على أصحابه, فقرأ عليهم سورة الرحمن فذكره ثم قال الترمذي: غريب لا نعرفه إلا من حديث الوليد عن زهير بن محمد به مثله. وقوله عز وجل: "فلما قضي" أي فرغ كقوله تعالى: "فإذا قضيت الصلاة" " فقضاهن سبع سماوات في يومين " "فإذا قضيتم مناسككم" "ولوا إلى قومهم منذرين" أي رجعوا إلى قومهم فأنذروهم ما سمعوه من رسول الله صلى الله عليه وسلم كقوله جل وعلا: "ليتفقهوا في الدين ولينذروا قومهم إذا رجعوا إليهم لعلهم يحذرون" وقد استدل بهذه الاية على أنه في الجن نذر وليس فيهم رسل, ولا شك أن الجن لم يبعث الله منهم رسولاً لقوله تعالى: " وما أرسلنا من قبلك إلا رجالا نوحي إليهم من أهل القرى ". وقال عز وجل: "وما أرسلنا قبلك من المرسلين إلا إنهم ليأكلون الطعام ويمشون في الأسواق". وقال عن إبراهيم الخليل عليه الصلاة والسلام "وجعلنا في ذريته النبوة والكتاب" فكل نبي بعثه الله تعالى بعد إبراهيم فمن ذريته وسلالته.
فأما قوله تبارك وتعالى في الأنعام: "يا معشر الجن والإنس ألم يأتكم رسل منكم" فالمراد هنا مجموع الجنسين فيصدق على أحدهما وهو الإنس كقوله: "يخرج منهما اللؤلؤ والمرجان" أي أحدهما ثم إنه تعالى فسر إنذار الجن لقومهم فقال مخبراً عنهم: "قالوا يا قومنا إنا سمعنا كتاباً أنزل من بعد موسى" ولم يذكروا عيسى لأن عيسى عليه السلام أنزل عليه الإنجيل فيه مواعظ وترقيقات وقليل من التحليل والتحريم, وهو في الحقيقة كالمتمم لشريعة التوراة فالعمدة هو التوراة, فلهذا قالوا أنزل من بعد موسى, وهكذا قال ورقة بن نوفل حين أخبره النبي صلى الله عليه وسلم بقصة نزول جبريل عليه الصلاة والسلام أول مرة فقال: بخ بخ! هذا الناموس الذي كان يأتي موسى يا ليتني أكون فيه جذعاً. "مصدقاً لما بين يديه" أي في الكتب المنزلة على الأنبياء قبله, وقوله: "يهدي إلى الحق" أي في الاعتقاد والإخبار "وإلى طريق مستقيم" في الأعمال فإن القرآن مشتمل على شيئين خبر وطلب, فخبره صدق وطلبه عدل, كما قال تعالى: "وتمت كلمة ربك صدقاً وعدلاً".
وقال سبحانه وتعالى: "هو الذي أرسل رسوله بالهدى ودين الحق" فالهدى هو العلم النافع, ودين الحق هو العمل الصالح, وهكذا قالت الجن "يهدي إلى الحق" في الاعتقادات "وإلى طريق مستقيم" أي في العمليات "يا قومنا أجيبوا داعي الله" فيه دلالة على أنه تعالى أرسل محمداً صلى الله عليه وسلم إلى الثقلين الجن والإنس, حيث دعاهم إلى الله تعالى وقرأ عليهم السورة التي فيها خطاب الفريقين وتكليفهم ووعيدهم وهي سورة الرحمن ولهذا قال: "أجيبوا داعي الله وآمنوا به" وقوله تعالى: "يغفر لكم من ذنوبكم" قيل إن من ههنا زائدة وفيه نظر لأن زيادتها في الإثبات قليل, وقيل إنها على بابها للتبعيض "ويجركم من عذاب أليم" أي ويقيكم من عذابه الأليم, وقد استدل بهذه الاية من ذهب من العلماء إلى أن الجن المؤمنين لا يدخلون الجنة, وإنما جزاء صالحيهم أن يجاروا من عذاب النار يوم القيامة, ولهذا قالوا هذا في هذا المقام وهو مقام تبجح ومبالغة, فلو كان لهم جزاء على الإيمان أعلى من هذا لأوشك أن يذكروه. وقال ابن أبي حاتم: حدثنا أبي قال: حدثت عن جرير عن ليث عن مجاهد عن ابن عباس رضي الله عنهما قال: لا يدخل مؤمنو الجن الجنة لأنهم من ذرية إبليس, ولا تدخل ذرية إبليس الجنة, والحق أن مؤمنيهم كمؤمني الإنس يدخلون الجنة كما هو مذهب جماعة من السلف, وقد استدل بعضهم لهذا بقوله عز وجل: "لم يطمثهن إنس قبلهم ولا جان" وفي هذا الاستدلال نظر, وأحسن منه قوله جل وعلا: "ولمن خاف مقام ربه جنتان * فبأي آلاء ربكما تكذبان" فقد امتن تعالى على الثقلين بأن جعل جزاء محسنهم الجنة, وقد قابلت الجن هذه الاية بالشكر القولي أبلغ من الإنس فقالوا: ولا بشيء من آلائك ربنا نكذب فلك الحمد, فلم يكن تعالى ليمتن عليهم جزاء لا يحصل لهم, وأيضاً فإنه إذا كان يجازي كافرهم بالنار وهو مقام عدل فلأن يجازي مؤمنهم بالجنة وهو مقام فضل بطريق الأولى والأحرى. ومما يدل أيضاً على ذلك قوله تعالى: "إن الذين آمنوا وعملوا الصالحات كانت لهم جنات الفردوس نزلاً" وما أشبه ذلك من الايات.
وقد أفردت هذه المسألة في جزء على حدة ولله الحمد والمنة, وهذه الجنة لا يزال فيها فضل ينشىء الله تعالى لها خلقاً أفلا يسكنها من آمن به وعمل صالحاً, وما ذكروه ههنا من الجزاء على الإيمان من تكفير الذنوب والإجارة من العذاب الأليم هو يستلزم دخول الجنة, لأنه ليس في الاخرة إلا الجنة والنار, فمن أجير من النار دخل الجنة لا محالة, ولم يرد معنا نص صريح ولا ظاهر عن الشرع أن مؤمني الجن لا يدخلون الجنة, وإن أجيروا من النار, ولو صح لقلنا به, والله أعلم. وهذا نوح عليه الصلاة والسلام يقول لقومه: "يغفر لكم من ذنوبكم ويؤخركم إلى أجل مسمى" ولا خلاف أن مؤمني قومه في الجنة فكذلك هؤلاء. وقد حكي فيهم أقوال غريبة. فعن عمر بن عبد العزيز رضي الله عنه أنهم لا يدخلون بحبوحة الجنة, وإنما يكونون في ربضها وحولها وفي أرجائها, ومن الناس من زعم أنهم في الجنة يراهم بنو آدم ولا يرون بني آدم بعكس ما كانوا عليه في الدار الدنيا. ومن الناس من قال: لا يأكلون في الجنة ولا يشربون وإنما يلهمون التسبيح والتحميد والتقديس عوضاً عن الطعام والشراب كالملائكة لأنهم من جنسهم, وكل هذه الأقوال فيها نظر ولا دليل عليها, ثم قال مخبراً عنهم "ومن لا يجب داعي الله فليس بمعجز في الأرض" أي بل قدرة الله شاملة له ومحيطة به " وليس له من دونه أولياء " أي لا يجيرهم منه أحد "أولئك في ضلال مبين" وهذا مقام تهديد وترهيب فدعوا قومهم بالترغيب والترهيب, ولهذا نجع في كثير منهم وجاءوا إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم وفوداً كما تقدم بيانه, ولله الحمد والمنة والله أعلم.
30- "يا قومنا أجيبوا داعي الله وآمنوا به" يعنون محمداً صلى الله عليه وسلم أو القرآن "يغفر لكم من ذنوبكم" أي بعضها، وهو ما عدا حق العباد، وقيل إن من هنا لابتداء الغاية. والمعنى: أنه يقع ابتداء الغفران من الذنوب ثم ينتهي إلى غفران ترك ما هو الأولى، وقيل هي زائدة "ويجركم من عذاب أليم" وهو عذاب النار، وفي هذه الآية دليل على أن حكم الجن حكم الإنس في الثواب والعقاب والتعبد بالأوامر والنواهي. وقال الحسن ليس لمؤمني الجن ثواب غير نجاتهم من النار، وبه قال أبو حنيفة. والأول أولى، وبه قال مالك والشافعي وابن أبي ليلى. وعلى القول الأول، فقال القائلون به أنهم بعد نجاتهم من النار يقال لهم: كونوا تراباً، كما يقال للبهائم والثاني أرجح. وقد قال الله سبحانه في مخاطبة الجن والإنس " ولمن خاف مقام ربه جنتان * فبأي آلاء ربكما تكذبان " فامتن سبحانه على الثقلين بأن جعل جزاء محسنهم الجنة، ولا ينافي هذا الاقتصار هاهنا على ذكر إجارتهم من عذاب أليم، ومما يؤيد هذا أن الله سبحانه قد جازى كافرهم بالنار وهو مقام عدل، فكيف لا يجازي محسنهم بالجنة وهو مقام فضل، ومما يؤيده هذا أيضاً ما في القرآن الكريم في غير موضع أن جزاء المؤمنين الجنة، وجزاء من عمل الصالحات الجنة، وجزاء من قال لا إله إلا الله الجنة، وغير ذلك مما هو كثير في الكتاب والسنة.
وقد اختلف أهل العلم هل أرسل الله إلى الجن رسلاً منهم أم لا، وظاهر الآيات القرآنية أن الرسل من الإنس فقط كما في قوله: "وما أرسلنا من قبلك إلا رجالاً نوحي إليهم من أهل القرى". وقال: " وما أرسلنا قبلك من المرسلين إلا إنهم ليأكلون الطعام ويمشون في الأسواق " وقال سبحانه في إبراهيم الخليل: "وجعلنا في ذريته النبوة والكتاب"، فكل نبي بعثه الله بعد إبراهيم فهو من ذريته، وأما قوله تعالى في سورة الأنعام: "يا معشر الجن والإنس ألم يأتكم رسل منكم" فقيل المراد من مجموع الجنسين وصدق على أحدهما، وهم الإنس: كقوله: "يخرج منهما اللؤلؤ والمرجان" أي من أحدهما.
31. " يا قومنا أجيبوا داعي الله "، يعني محمداً صلى الله عليه وسلم، " وآمنوا به يغفر لكم من ذنوبكم "، ((من)) صلة، أي ذنوبكم، " ويجركم من عذاب أليم "، قال ابن عباس رضي الله عنهما: فاستجاب لهم من قومهم نحو من سبعين رجلاً من الجن، فرجعوا إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم فوافقوه في البطحاء، فقرأ عليهم القرآن وأمرهم ونهاهم، وفيه دليل على أنه صلى الله عليه وسلم كان مبعوثاً إلى الجن والإنس جميعاً.
قال مقاتل : لم يبعث قبله نبي إلى الإنس والجن جميعاً.
واختلف العلماء في حكم مؤمني الجن، فقال قوم: ليس لهم ثواب إلا نجاتهم من النار، وتأولوا قوله: (( يغفر لكم من ذنوبكم ويجركم من عذاب أليم ))، وإليه ذهب أبو حنيفة رضي الله تعالى عنه.
وحكى سفيان عن ليث قال: الجن ثوابهم أن يجاروا من النار، ثم يقال لهم: كونوا تراباً، وهذا مثل البهائم.
وعن أبي الزناد قال: إذا قضي بين الناس قيل لمؤمني الجن: عودوا تراباً، فعند ذلك يقول الكافر: " يا ليتني كنت تراباً " (النبأ-40).
وقال الآخرون: يكون لهم الثواب في اإحسان كما يكون عليهم العقاب في الإساءة كالإنس، وإليه ذهب مالك وابن أبي ليلى.
وقال جرير عن الضحاك : الجن يدخلون الجنة ويأكلون ويشربون.
وذكر النقاش في ((تفسيره)) حديث أنهم يدخلون الجنة. فقيل: هل يصيبون من نعيمها: قال: يلهمهم الله تسبيحه وذكره، فيصيبون من لذته ما يصيبه بنو آدم من نعيم الجنة. وقال أرطاة بن المنذر: سألت ضمرة بن حبيب: هل للجن ثواب؟ قال: نعم، وقرأ: " لم يطمثهن إنس قبلهم ولا جان " (الرحمن-74)، قال فالإنسيات للإنس والجنيات للجن.
وقال عمر بن عبد العزيز: إن مؤمني الجن حول الجنة، في ربض ورحاب، وليسوا فيها.
31-" يا قومنا أجيبوا داعي الله وآمنوا به يغفر لكم من ذنوبكم " بعض ذنوبكم ، وهو ما يكون في خالص حق الله فإن المظالم لا تغفر بالإيمان . " ويجركم من عذاب أليم " هو معد للكفار ، واحتج أبو حنيفة رضي الله عنه باقتصارهم على المغفرة والإجارة على أن لا ثواب لهم ، والأظهر في توابع التكليف كبني آدم .
31. O our people! respond to Allah's summoner and believe in Him. He will forgive you some of your sins and guard you from a painful doom.
31 - O our people, hearken to the one who invites (you) to God, and believe in him: He will forgive you your faults, and deliver you from a Penalty Grievous.